فهرس الكتاب

الصفحة 190 من 387

فقوله عليه الصلاة والسلام: «شُحٌّ مُطَاعٌ» استعارة، كأنّه أقام الشحّ مقام الآمر بالإمساك، والمخوّف من عواقب الإنفاق، وأقام البخيل مقام المطيع لأمره، والمتصرّف على حكمه.

وَقَدْ بَيَّنَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ذَلِكَ فِي خُطْبَةٍ لَهُ، فَقَالَ: «وَإِيَّاكُمْ وَالْبُخْلَ فَإِنَّهُ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ أَمَرَهُمْ بِالْقَطِيعَةِ فَقَطَعُوا، وَأَمَرَهُمْ بِالْفُجُورِ فَفَجَرُوا»

[1] ، فبيّن عليه الصلاة والسلام كيف يكون البخل آمرا مطاعا، وقائدا متبوعا. وهذه أيضا استعارة أخرى لأنّ البخل على الحقيقة لا يكون آمرا ناهيا، ولا قائدا مخاطبا.

والمراد

بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «أَمَرَهُمْ بِالْقَطِيعَةِ فَقَطَعُوا»

أنّ البخلاء يضنّون بمالهم على أهل الحاجة من أقربائهم، وأولي الخلّة [2] من ذوي أرحامهم، فيكونون بذلك قاطعين للرحم القريبة، وعاقّين [3]

لأعراق [4] الوشيجة [5] .

والمراد

بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «وَأَمَرَهُمْ بِالْفُجُورِ فَفَجَرُوا»

أنّ البخل حسّن لهم منع الأموال من الإنفاق في الحقوق، وإسلاكها سبل المعروف، فأجرى عليهم لهذه الحال اسم «الفجور» .

(1) مسند أحمد 2: 159، 191، 195، مع اختلاف، سنن أبي داود 1: 382/ 1698، مستدرك الحاكم:

1: 11، السنن الكبرى 4: 187، كنز العمّال 3: 447/ 7377.

(2) أي الحاجة.

(3) أي قاطعين.

(4) الأعراق: جمع عرق، وهو وريد الدم. أقرب الموارد 2: 771، مادّة (ع ر ق) .

(5) أي الرحم الوشيجة المشتبكة المتصلة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت