وهذه استعارة عجيبة، والمراد بها أنّ مشارّة الناس تظهر المعائب، وتخفي المناقب لأنّ المهاتر المشاغب [1] لا يقدر لمخاصمه على مثلبة إلّا بحثها، ولا يجد له منقبة إلّا دفنها، فكأنّه يميت محاسنه، ويحيي مساويه. وجعل عليه الصلاة والسلام الغرّة في مكان المنقبة لتجمّل الإنسان بنشرها [2] ، وجعل العرّة في مكان المثلبة لتهجّن الإنسان بكشفها [3] .
وقد قيل: «إنّ المراد بالغرّة هاهنا: النفيسة من المال، ومنه قول الشاعر:
غرير التّلاد منيل الطّعام [4]
أراد بغرير التلاد: كرائم المال، والمراد بالعرّة: البلاء والهلاك، مأخوذ من العرّة، وهي قروح تصيب الإبل» وهذا القول ذكره أبو عبيدة، والقول الأوّل أشبه بظاهر الكلام، وأبعد من الاعتساف والاستكراه.
وممّا يؤكد ذلك
مَا رُوِيَ عَنْ جَدِّنَا الصَّادِقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ وَعَلَى آبَائِهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَتَعْدَادَ الْعُرَّةِ فَإِنَّهَا تَكْشِفُ الْعَوْرَةَ، وَتُورِثُ الْمَعَرَّةَ» [5]
، فهذا كالبيان لذلك الإجمال، والإخراج من ذاك الاحتمال.
(1) المهاتر: المستهتر الذي لا يبالي ما قيل فيه الصحاح 2: 851، والمشاغب: المهيّج للشرّ الصحاح:
(2) فإنّ الغرّة: بياض يكون في وجه الفرس، وهي أيضا كلّ شيء ترفع قيمته. راجع لسان العرب 10:
46، 47مادّة (غ ر ر) .
(3) فإنّ العرّة: القذر وعذرة الناس. لسان العرب 9: 126، مادّة (ع ر ر) .
(4) غريب الحديث لأبي عبيد 2: 117.
(5) المعرّة هنا: البغضاء والتخاصم والتقاتل. أمالي الطوسي: 482/ 2052.