على الإنسان ريبة، أو تثني عليه سوءة، ولكنّ القمر لمّا كان كاشفا للسدفة [1] وصادعا للظلمة، أجراه عليه الصلاة والسلام مجرى الثاني للسوءة المخفاة، والكاشف للريبة المغطاة، وهذه من محاسن الاستعارات.
وقال الشاعر في فضح الصبح للظلام:
يا ربّ كلّ غابق ومصطبح ... وربّ كلّ شيطنيّ منسرح
أرسل على الجوفاء في الصّبح الفضح ... حويريا مثل قضيب المجتدح
متى نضت من كعبها عرقا يرح [2]
قوله «حويريا» تصغير «حار» يريد حيّة طال بقاؤه حتّى حار أي رجع من غلظ وعظم إلى دقّة خلق وجسم، فصار كقضيب المجتدح، وهو المجدح الذي يحرّك به الشراب والسويق [3] وما يجري مجراهما.
ومن كلامهم: «رماه الله بأفعى حارية» يريدون هذا المعنى، وقوله «يرح» أي يميت. ومثل ذلك قول العجّاج:
(1) السدفة: الظلمة بلغة تميم. أقرب الموارد 1: 506، مادّة (س د ف) .
(2) لسان العرب 14: 172، تاج العروس 10: 86، وفيها ذكر البيت الثاني خاصّة. الغابق: الممسي، المصطبح: المصبح، المنسرح: المنسلخ من لباس التقوى والدين، الجوفاء: الدلو الواسعة، الصبح الفضح: الذي يفضح الظلام ويظهر كلّ شيء، الحويرية: مصغّر الحاري: وهو الأفعي التي قد كبرت ونقص جسمها من الكبر، ولم يبق إلّا رأسها ونفسها وسمّها، وهي أخبث ما يكون، قضيب المجتدح: رأسه عودان معترضان يخلط به السويق في اللبن ونحوه. الأفعي أخرجت ودرّت، من كعبها: أي من ثديها، عرقا: لبنا، والمراد به السمّ، يرح: يمت. يدعو الله بأن يرسل على أعدائه أفعي فتنفث السمّ في مائهم فيموتوا.
(3) طعام يصنع من الحنطة والشعير. راجع المصباح المنير: 296، مادّة (س وق) .