ـ [ابو عبد الرحمن الأندلسي] ــــــــ [14 - 07 - 09, 04:07 م] ـ
وقد ساق ابن حزم هذه الأحاديث بإسناده بعدة روايات ثم قال: [فهذه الأخبار نص ما قلنا وهو قول جماعة من السلف] ، ثم ذكر آثارًا عن جماعة من السلف منهم: حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر، وابن عباس، وعطاء، وابن عمر، وبريدة الأسلمي حيث نقل عنه قوله: [إن الناس يعرضون يوم القيامة على العقيقة كما يعرضون على الصلوات الخمس] ثم قال:[أمره عليه الصلاة والسلام بالعقيقة فرض كما ذكرنا لا يحل لأحد أن يحمل شيئًا من أوامره عليه الصلاة والسلام على جواز تركها إلا بنص آخر وارد بذلك وإلا فالقول بذلك كذبٌ وقفوٌ لما لا علم لهم به، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) ، هذه حجج ابن حزم على الوجوب.
قالوا وهذا يدل على الوجوب من وجهين: أحدهما قوله (مع الغلام عقيقة) وهذا ليس إخبارًا عن الواقع بل عن الواجب ثم أمرهم بأن يخرجوا عنه هذا الذي معه، فقال: (أهريقوا عنه دمًا) .
وجه الاستدلال بهذين الحديثين أن فيهما الأمر النبوي بالعقيقة والأصل في الأمر أن يحمل على الوجوب.
: (يعق عن الغلام ولا يمس رأسه بدم) ، وقالوا هذا خبر بمعنى الأمر.
أدلة القول الثالث: واحتج الحنفية بما يلي:
أولًا: بالنسبة للقول الأول عند الحنفية وهو استحباب العقيقة فأدلتهم عليه هي أدلة الجمهور السابقة.
ثانيًا: بالنسبة للقول بأنها مباحة فاحتجوا عليه بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده السابق، وفيه: (من ولد له ولد فأحب أن ينسك عنه فلينسك ... الخ) وهو يفيد الإباحة كما قالوا.
ثالثًا: وأما قولهم بأنها منسوخة فدليلهم ما ذكره الكاساني: [وإنما عرفنا انتساخ هذه الدماء بما روي عن سيدتنا عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (نسخ صوم رمضان كل صوم كان قبله، ونسخت الأضحية كل دم كان قبلها، ونسخ غسل الجنابة كل غسل كان قبله) والظاهر أنها قالت ذلك سماعًا من رسول الله صلى الله عليه و سلم لأن انتساخ الحكم مما لا يدرك بالاجتهاد] .
واحتجوا أيضًا بما رواه أبو يوسف في الآثار عن أبي حنيفة عن حماد عن إبراهيم أنه قال: [كانت العقيقة في الجاهلية فلما جاء الإسلام رفضت] .
وبما رواه أبو يوسف أيضًا عن أبي حنيفة عن رجل عن محمد بن الحنفية: [أن العقيقة كانت في الجاهلية فلما جاء الأضحى رفضت] .
قال التهانوي: [وحجة المانعين هو ما روي عن إبراهيم ومحمد بن الحنفية أنها رفضت في الإسلام، وما روي من الأخبار لا ترد عليهما، لأنهما لا ينكران المشروعية أصلًا، بل يقولان بالمشروعية في الجملة، ولكنهما يدعيان أنها رفعت، فعندهما زيادة علم ليس عند من يجوزها، وهما إمامان لا يقولان جزاف فيكون قولهما حجة لأن حجة المجوزين عدم وقوفهم على الناسخ، وحجتهما الاطلاع عليه، وباليقين قول من يدعي العلم حجة دون من ينكره. فإن قلت: في رواية ابن الحنفية رجل مبهم، قلنا: هذا الإبهام ليس بمضر، لأن الراوي عنه صاحب المذهب وهو أعرف به] .
واحتجوا بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده السابق وفيه: (سئل رسول الله صلى الله عليه و سلم عن العقيقة، فقال: لا يحب الله العقوق) .
واحتجوا أيضًا بحديث أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: (لما ولدت فاطمة حسنًا، قالت: ألا أعق عن ابني بدم؟ قال: لا، ولكن احلقي رأسه وتصدقي بوزن شعره فضة على المساكين والأوفاض. ففعلت ذلك فلما ولد حسينًا فعلت مثل ذلك) وفي رواية أخرى قال عليه السلام: (لا تعقي عنه) رواه الإمام أحمد وقال الهيثمي: رواه أحمد والطبراني في الكبير وهو حديث حسن.
وقال الساعاتي: [وفي إسناده عبد الله بن محمد بن عقيل، فيه لين وله شواهد تعضده ولعل الحافظ الهيثمي حسنه لذلك] .
وأما ما احتج به الحنفية على قولهم من جهة النظر [فإن إراقة الدم بمجردها لم تعهد قربة إلا حيث ورد بها النص لا غير، وإذا تعارضت النصوص في كونها مشروعة في العقيقة أو منسوخة وباليقين ندري أنه كان في الإسلام إراقات قد نسخت فيما بعد، كالفرع والعتيرة ونحوها، كان الترجيح لما يدل على كونها منسوخة، لأنها لو كانت مشروعة لكانت مستحبة لا غير، ولو كانت منسوخة كانت بدعة في الإسلام، وإذا دار الأمر بين الاستحباب والابتداع والإباحة والحظر ترجح الحاظر على المبيح، وإذا تعارض المحرم والمبيح وجهل التاريخ يجعل المحرم متأخرًا كيلا يلزم النسخ مرتين، ومعنى قوله: (محا ذبحُ الأضاحي كل ذبحٍ كان قبله) أي محا وجوبه كل ذبح قبله، فلا يرد علينا كون الأضحية قد شرعت في السنة الثانية، وعقيقة الحسن والحسين في الثالثة، أو الخامسة وسماع أم كرز حديث العقيقة في الحديبية في السنة السادسة، لأنا نقو ل: كانت الأضحية إذ ذاك مشروعة لا واجبة، ثم وجبت بعد ذلك عند فرض الحج، فمحا وجوبها كل ذبح كان قبله ولأجل ذلك لم يعق النبي صلى الله عليه و سلم عن ابنه إبراهيم رضي الله عنه بدليل أنه سماه ليلة ولد ولو كان قد عق عنه لسماه في اليوم السابع] . 4. واحتج غير ابن حزم على وجوبها بأن الرسول صلى الله عليه و سلم أمر بها وعمل بها، وقال الغلام مرتهن بعقيقته ومع الغلام عقيقة. 5. واحتجوا أيضًا بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن: (الرسول صلى الله عليه و سلم أمر بتسمية المولود يوم سابعه ووضع الأذى عنه والعق) . 6. واحتجوا بحديث يوسف بن ماهك وفيه أن عائشة أخبرتهم أن الرسول صلى الله عليه و سلم: (أمرهم عن الغلام شاتان وعن الجارية شاة) . 7. واحتجوا أيضًا بحديث يزيد بن عبدٍ المزني عن أبيه أن الرسول صلى الله عليه و سلم قال
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)