وهناك بعض العوارض في أذهان بعضهم تقدح في هذا الأمر، وتسمح بجعل المرتبة المتأخرة نموذجا للقدوة، وقبل أن نتكلم على الأدلة الموضوعية التي يسوقها هؤلاء القوم، أعلم أن بواعث هؤلاء البعض في إنزال مرتبة النموذج بواعث نفسية، وأهم هذه البواعث فقدان روح التمرد، والرغبة في التقليد المريح الذي يسقط عن المسلم الكسول الخامل تبعة المساءلة الأخروية، وتبعة ثمن التضحية في مخالفة عوائد الناس وإيلافهم. وهؤلاء وإن رفضوا مقولة العوام:"قلدها لعالم فتخرج سالم". إلا أنهم في الحقيقة يعيشونها شعورا حاضرا لا يغيب عن أذهانهم، وهؤلاء أبعد الناس عن الدخول في زمرة التجديد والإحياء، أو الولوج إلى شعار تصفية الحق من دخن العقول والأهواء.
والآن ما هي أدلة هؤلاء القوم؟:
أدلة هؤلاء القوم تقسم إلى قسمين، قسم فرضته عوائد العلماء كما يزعمون، وقسم نصي يسترشد به في دعم الفكرة، وليس في تأصيلها.
القسم الأول: جامع لجراميز أدلتهم وهو قولهم: إن العلماء على الدوام رفضوا اسم العلم أن يلتصق بفرد أو جماعة أخذت علمها من مصدر البيان مباشرة، بل لا بد من أفواه العلماء، والجلوس على الركب أمامهم، وهذا يدل على أن تواصل العلم عن طريق الرجال، مشافهة، ولا شيء في ذلك.
وقولهم هذا لا يعدو أن يكون حيدة عن موضوع البحث، لأن هذا القول هو في البداية حجة تراثية، والخصومة حولها وعليها، والاختلاف يدور حول حجية التراث والتاريخ، والأمر الآخر هو أن هذا الذي قيل وجد في السنة ما ينقضه ويبدده، خاصة حين يصبح ويصير لكل طائفة رجالا، تتخذهم الطائفة قدوة وأئمة، وتزعم أن مجرى الهدى على محياهم، ومنبع النور من أفواههم، فلا بد من قطع علائق الفتن بالعودة إلى الأصل وهو: البيان مضافا إلى النموذج الأول.
والسنة التي مدحت العودة إلى الورق دون النظر إلى الشخوص والمثل هي القاطعة لحجة هذا الفريق، هذه السنة هي قوله صلى الله عليه وسلم لأصحابه يوما: (( أي الخلق أعجب إليكم إيمانا؟. قالوا: الملائكة، قال: وكيف لا يؤمنون وهم عند ربهم؟. قالوا: الأنبياء، قال: وكيف لا يؤمنون وهم يأتيهم الوحي؟. قالوا: نحن، فقال: وكيف لا تؤمنون وأنا بين أظهركم؟. قالوا: فمن يا رسول الله؟. قال: قوم يأتون من بعدكم يجدون صحفا يؤمنون بها ) ).
وفي بعض ألفاظه: (( بل قوم من بعدكم، يأتيهم كتاب بين لوحين يؤمنون به، ويعملون بما فيه، أولئك أعظم منكم أجرأ ) ).
وفي لفظ آخر: (( يجدون الورق المعلق فيعملون بما فيه، فهؤلاء أفضل أهل الإيمان إيمانا ) ). (انظر"الباعث الحثيث"بتعليق أحمد شاكر، هامش ص125) .
فالحديث بوضوحه يمدح أخذ العلم عن طريق الورق المعلق، بل جعل هؤلاء القوم هم أعظم الناس أجرا، وأفضل أهل الإيمان إيمانا، وهذا يدل على أن العصمة عند اختلاف الزمان، وسقوط النماذج الفاسدة الحاملة لاسم العلم والعلماء زورا وبهتانا، هو العودة إلى الورق، ولن يضر هؤلاء (المتمردين) قول فلان وعلان، ورأي زيد وعمرو فإنه لا يعدل أحد عن الطرق الشرعية إلى البدعية إلا لجهل أو عجز أو غرض فاسد كما قال ابن تيمية، وهذا الطريق، وهو أخذ العلم عن طريق الورق المعلق -وهو طريق شرعي- هو الذي يمنع زلة العالم من أن تقفز إلى ذهن التابع فتستقر تحت اسم العصمة والدين.
والقصد من الوسائل دوما تحقيق المقاصد، والانشغال بالوسائل دون النظر إلى المقاصد هو سبيل أهل العي والضعف، والأصل في دلك كله، ومقصد الطلب تحصيل الحق أبلجا كما هو، فحرص الأوائل على حفظ هذا الأصل دفعهم لوضع شروط حول هذا الحال والأمر، وما دروا بمصيبتنا مع جهلة هذا الزمان فكان لا بد من البيان.