فهرس الكتاب

الصفحة 159 من 257

وإذا كان الدّجال أعظم فتنة تقع في الدّنيا كما جاء في بعض الأحاديث، فإن هذا الحديث يبيّن أن الأئمّة المضلّين أشد فتنة وأكثر سوءًا وأعظم إفسادًا. فمن هم الأئمة المضلّون؟.

الإمام: هو المرء المتبوع، سواء كان هذا المتبوع في أمر علميّ أو أمر عمليّ، قال تعالى: {وأطيعوا الله وأطيعوا الرّسول وأولي الأمر منكم} النساء، وقد ذكر ابن كثير -رحمه الله تعالى- تفسير العلماء بقوله: أولي الأمر وخلافه في تعيينهم هل هم العلماء أم الأمراء؟ ثمَّ خلص إلى القول أنّها عامّة في كلٍّ من العلماء والأمراء.

فالأئمّة المضلّون هم الأمراء الضّالّون والعلماء الضالّون، وهاتان الفرقتان ربط رسول الله بصلاحهما صلاح النّاس وبفسادهما فساد النّاس، وهما كما قال ابن المبارك رحمه الله تعالى:

وهل أفسد الدين إلاّ الملوك *** وأحبار سوء ورهبانها

فساد الأمراء: روى الإمام البخاري في صحيحه أنَّ امرأة من أحمس سألت أبا بكر الصدّيق فقالت: ما بقاؤنا على هذا الأمر الصالح - أي الإسلام - الذي جاء الله به بعد الجاهليّة؟ قال: بقاؤكم عليه ما استقامت بكم أئمّتكم. قالت: وما الأئمّة؟. قال: أمَا كان لقومك رؤوس وأشراف يأمرونهم فيطيعونهم؟ قالت: بلى. قال: فهم أولئك النّاس.

فصلاح الأمراء بقيامهم على أمر الإسلام، وتطبيقهم شريعة الرحمن، ونشرهم العدل في الأحكام، وفسادهم بتركهم دين الله تعالى، وبعدم إقامته في النّاس، وقد علّق أبو بكر رضي الله تعالى عنه فساد النّاس بفساد الأئمة. ما استقامت بكم أئمّتكم. قال الحافظ بن حجر - رحمه الله - في"فتح الباري"في شرحه لهذا الحديث: لأنّ النّاس على دين ملوكهم، فمن حاد من الأئمّة عن الحال مال وأمال. ا. هـ.

ومن أجل أهمية الأمراء وقيمتهم في الحياة فإنّ الشّارع الحكيم أمر المسلمين وحثّهم على مراقبتهم من أجل تقويم اعوجاجهم، ولو أدّى هذا إلى حصول الضّرر على النّاصح المقوّم، قال صلى الله عليه وسلم: (( أفضل الجهاد كلمة حقٍّ عند سلطان جائر ) )، وهذا كلّه في الحاكم المسلم، أما الحاكم الكافر فقد وجب على المسلمين خلعه وإزالته، قال القاضي عياض: فلو طرأ عليه -أي الأمير- كفر وتغيير للشّرع أو بدعة خرج عن حكم الولاية وسقطت طاعته، ووجب على المسلمين القيام عيه وخلعه. ا. هـ.

فساد العلماء: روى الشيخان عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه مرفوعًا أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إن الله تعالى لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد، لكن يقبض العلم بقبض العلماء حتّى إذا لم يبق عالمًا اتخذ النّاس رؤساء جهّالًا، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلّوا وأضلّوا".

فصلاح العلماء في تعليم النّاس الحقّ والصواب، وإرشادهم للهدي الصّحيح، وتحذيرهم من الأحكام والتّصورات الفاسدة، وفسادهم بالفتوى الجاهلة، والهدي الباطل، والقول الفاسد، فإذا أفتى العالم بالهوى والجهل فإن قوله يفسد النّاس ويضلّهم كما قال صلى الله عليه وسلم في الحديث السّابق (فضلّوا وأضلّوا) .

وقد فرّغ كثير من أهل الذّكر نفسه لذكر نماذج من الأئمّة الصّالحين، وكيف كان لأفعالهم وأقوالهم الأثر الطّيب، والخير الذي يصيب العباد والبلاد، ونماذج العلماء الذين وقفوا أمام حيف الأئمّة الأمراء وظلمهم وفسادهم، وكذلك نماذج الأمراء الصّالحين الّذين سطروا بفعالهم دفاتر الخير والنصر على مدار التاريخ الإسلامي، ولكن كل هذا لم يخل من ذكر نماذج من الجهة المقابلة، جهة أمراء الضلال، وعلماء الضلال، وسأذكر أركان علماء الضّلال الّذين وقفوا أمام الحقّ، وحاولوا مزايلته، أو أنهم حاولوا استغلال عمائمهم من أجل نشر الرذيلة الفكرية بين النّاس، وهي أركان تعين الشّاب المسلم الآن وغدا في كشف هؤلاء القوم، وهذه الأركان الّتي سأسوقها هي الأركان الّتي حذّر منها أهل السنّة والجماعة في أقوالهم ومصنّفاتهم، ولم أزد سوى أني جمعتها على هذه الصورة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت