فهرس الكتاب

الصفحة 132 من 257

هذا الصّراع بين قريش والنّبيّ صلى الله عليه وسلم كما قلنا كانت العرب ترقبه وتنتظر نتيجته، وقد كان النّبيّ صلى الله عليه وسلم يحاول جاهدًا أن يحيّد قريش في صراعه مع الشّرك في الجزيرة العربيّة، لأنّها ليست بالكتلة الهيّنة، ولا المعادِلة له في الصّراع وظهر هذا في قوله كما روى البخاري: (( إنّ قريشًا نهكتهم الحرب وأضرّت بهم، فإن شاءوا ماددتهم مُدّة ويخلّوا بيني وبين الناس، فإن أظهرُ فإن شاءوا أن يدخلوا في ما دخل فيه الناس فعلوا، وإلا فقد جمّوا(أي استراحوا) وإن هم أبوا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنّهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي، ولينفذنّ الله أمره ))وهذا قاله عندما توجه إلى مكّة للعمرة ونزوله في الحديبية صلى الله عليه وسلم، ولكن يأبى الله تعالى إلا أن ينصر دينه وذلك بتصعيد الصّراع بين قريش وبين النبي صلى الله عليه وسلم، فكانت قريش تضع نفسها في كل مرة أمام مدّ الإسلام، فتَغلِب وتُغلَب، حتى جاءت غزوة الأحزاب وهي الوعد الإلهي المبشّر كما سمّاها الأصحاب الكرام رضي الله عنهم وحدَث ما حدَث من نزول الملائكة وإرسال الصَّبا.

بعد غزوة الأحزاب قال صلى الله عليه وسلم: (( الآن نغزوهم ولا يغزونا، نحن نسير إليهم ) )، بعدما انقلبت الموازين، وقد قدَّر صلى الله عليه وسلم بما آتاه الله من الهدى والرُّشد أنَّ قريشًا استجمعت كلّ قوّتها في غزوة الأحزاب، ولم يبْق في جعبتها سهمًا إلا ورمته، ولا سيفًا إلا وضرَبَته، فلم يَبْق لها شيءٌ من القوى ما يمكن أن يجعلها تقوم بمعارك جديدة خارج أرضها لذلك قال صلى الله عليه وسلم قولته وهو سائر للعمرة كما تقدم: (( إن قريشًا نهكتهم الحرب وأضرّت بهم ) )وقد رأينا بعد غزوة الأحزاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقم بغزو قريش، بل خرج إلى مكة معتمرًا لا يريد حربًا، بل كما روى البخاري: (( إنا لم نجىء لقتالِ أحدٍ، ولكن جئنا معتمرين ) )، وسبب هذا الأمر هو أنّ النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يُحرجَ قريشًا أمام العرب، حتّى يُفقدها شرعيّتها في حماية البيت الحرام، وهذا أمر ضروري لأنه مقدِّمة ضروريَّة لإضعاف حلفِ قريش وتفتيته، ثمَّ لإعطاء المبرر لدى القبائل المنتظرة بأن قريشًا ليست بالذي يحقُّ له أن يكون حاميًا للبيت، فإن العرب لم تكن لتتصور أن يُمنَع قومٌ -أي قومٍ- من القدوم إلى بيت الله الحرام، فكيف إذا كان القوم هم المسلمون، حيث أحرموا وساقوا الهدي، وبهذا سقطت هيبةُ قريشٍ الدِّينيّة، إذ أنها عَرِيَت أمام العرب بتصرّفها القَبيح، حيثُ مَنعت رسول الله صلى الله عليه وسلم من العمرة. وبمرورنا السريع على هذا الصّراع - دراسة وبحثًا - يظهر لنا أنّ الصّراع كان خاضعًا للسّنن الإلهيّة، ولم يتجاوزها في أيّ مرحلة من المراحل، صراعٌ سننيّ لا طَفرة فيه ولا مفاجأة، ولا يوجد فيه تلك الخَبطات الحالِمة بالضّرب المفاجئ للخصم، حيث نصل إلى سيادة بلدٍ مهما صغر من خلال إعداد سرّيّ شديدٍ (ودرجة السرّية تصل إلى عدم العمل، لأنّ قمّة السّرية المطلقة تعني بكلّ جلاء أن لا تعمل) ، وكأنّنا مع هذا النّوع من التّفكير نتعامل مع قومٍ من أهلِ القمر، يعِدّون أنفسهم هناك فوق مستوى مراقبةِ الأقمارِ الصناعيّة وبعيدًا عن ضربات الخصوم وهجماتهم!!!!.

معركتُنا مع المرتدّين هي معركةٌ قد فرغنا من أصولها الشّرعيّة، حيث تبيّن لنا بكلِّ وضوحٍ حُكْمَ الله تعالى في الحكّام وطوائفهم، وأمّا من بقي من النّاس يرتكس في جهله لعدم فهم التّوحيد، أو لعدم عِلمه بنواقضه، فلا نملك له إلاّ الدّعاء، أمّا من فهم حكم الله في هؤلاء أنّهم كفّار مرتدّون، وأنّه يجب قتالهم فقد خرج من دائرة الجهل إذا تمّ هذا، فعلى الجميع حينئذٍ أن يُريحنا من آرائه الرّائعة الورديّة، إنّ الدّور الآن بعد الفراغ من معرفةِ حُكم الله تعالى فيه أن نسمع لخبراء ومستشارين وقادة من نوع جديد، قطعًا ليسوا هم خرّيجي الجامعات الشّرعيّة، والذين دَفعَتهم علاماتهم الضّعيفة مكرهين لدراسة الشّريعة والفِقه، وقطعًا ليسوا هم المفكّرين الذين يريدون أن يُجبرونا أن نعترف أنّهم مجدّدون لعصرهم، مع أنّهم لا يملكون إلاّ الجهل والغباء، قَطْعًا ويقينًا ليسوا هؤلاء ممّن ابتُلينا بهم في العمل الإسلامي، إنّما هم أهل الخبرة والمعرفة في العسكريّة والقتال والحرب:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت