فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 257

إن هذه العبارات التي خرجت من فم نبي الله لوط عليه السلام تدل على حالة هي أشد ما يلقى الإنسان من القهر والظلم، ولكن هل انتهى المشهد أم أن هذه بداية النهاية؟. قال تعالى: {حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا} يوسف.

في تلك اللحظة أتصور المشهد بالصورة التالية: لوط عليه السلام يقف أمام الباب وهو ينظر إلى تلك الحيوانات البهيمية من قومه، لوط يرتجف غضبا، وحبات العرق النقية تنساب على جبهته، يداه ترتفعان حينا بالتهديد وبالإنذار، وحينا بالرجاء {هؤلاء بناتي هن أطهر لكم} ، وأما تلك الحيوانات الإنسية فإن منظرها لن يكون إلا على الصورة التالية: سكرى يتمايلون باستهزاء وسخرية، ويهرشون أبدانهم القذرة ارتقابا بعاجل الشهوة، وليس بعيدا أنهم يحملون معهم بعض الأوراق كتب عليها"الدستور لقرية سدوم" (قرية نبي الله لوط عليه السلام) ، وهذا الدستور مكتوب فيه:"قرر الشعب أن يختار حرية الجنس بين المتماثلين"، في هذه اللحظات التي امتدت في نفس لوط إلى ملايين السنين، ونسي كل شيء وغابت عنه أعظم الحقائق. وهو كونه يأوي إلى ركن شديد. في تلك اللحظة التي بلغت فيها الأزمة ذروتها يخرج ضيف كأنه البدر ويضرب كنف لوط قائلا له: {إنا رسل ربك} ، أي نحن ملائكة العذاب. يا الله! جاء الفرج، جاء الفرج، وهنا املأ مخيلتك بمشهد لوط عليه السلام: تخيل ماذا قال؟ وتخيل ماذا فعل؟ نعم في البداية جحظت عيناه من هول المفاجأة ولم يصدق ما سمع، لكنه جزما رأى ابتسامة على وجه الملك ردت إليه روح الأمل فصرخ: ماذا؟ ملائكة الله؟ ملائكة العذاب؟: هيا عذبوهم، اقتلوهم، أروني بهم ما يسر نفسي ويفرح قلبي. أرجوكم الآن لأشفي قلبي منهم. لكن الجواب: {إن موعدهم الصبح} هذا جوابهم. قال لوط: ماذا؟ الصبح! الصبح بعيد، وكان الوقت عصرا -كما قال أهل التفسير- أريد أن أشفى قلبي منهم الآن! قال الملائكة: بل انتظر، الصبح قريب. نعم فكان ما كان: {فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود (أي مصنوعة في السماء) مسومة (أي مختومة بختم الصنع وإما بأسماء أصحابها) عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد} ، وانتهى المشهد بكل حركته وبكل عظمته، وظهر أمر الله وهم كارهون.

في هذا الحديث القرآني عدة فوائد منها:

أولا: أن الباطل لابد إلى زوال، وأن فيه عوامل الفناء والفساد، وأنه مهما طال الليل فلابد من الصبح.

وقد جعل الله الصبح علامة مباركة لأمور عدة أهمها:

أن الصبح هو ميقات حركة الخيل المجاهدة، قال تعالى: {والعاديات ضبحا، فالموريات قدحا، فالمغيرات صبحا} العاديات.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في فتح خيبر: (( الله أكبر خربت خيبر إذا نزلنا ساحة قوم فساء صباح المنذرين ) ). وكما قال الله تعالى: {أفبعذابنا يستعجلون، فإذا نزل بساحتهم فساء صباح المنذرين} . فعلى الاخوة أن لا ييأسوا، ولا يستبطئوا النصر فإن لكل أجل كتاب، والصبح يأتي في موعده، ولن يطفئ نوره شيء.

ثانيا: أن الهلاك القدري بالسنن الكونية كما كان يقع في الأقوام الكافرة السابقة قد توقف، وأن الله يعذب الكافرين الآن بأيدي المؤمنين، فإذا أراد الله بقوم عذابا أغرى بهم عباده المؤمنين، فنزلوا بساحتهم. قال تعالى: {ولقد أتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى بصائر للناس وهدى ورحمة لعلهم يتذكرون} القصص. قال ابن كثير في تفسيرها: (يعني أنه بعد إنزال التوراة لم يعذب أمة بعامة، بل أمر المؤمنين أن يقاتلوا المشركين) ا. هـ. فعلى هذا فإن البديل عن ملائكة العذاب لقوم لوط هم أولئك الفتية صبح الوجوه. يضربون وجوه الكفرة بأيد من حديد يتشبهون بالملائكة، فالملائكة: {غلاظ شداد} التوبة، والفتية {يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم} التوبة، وهم {وليجدوا فيكم غلظة} التوبة، وهم {أشداء على الكفار} . ورحم الله من لم يرحم الكافرين، ولا رحم الله من كان في قلبه رحمة للكافرين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت