لا أدري والله أمام هذا الغثاء ما أقول؟ وأنا لست هنا بصدد دراسة حركة الخمينيّ لأنّي أعتقد وإلى الآن أنّ حركته في التّغيير كانت كجبل الثّلج الطّافي على الماء، إذ يمثّل الجانب المخفيّ منه أكثر بكثير من الجانب الطّافي، وحركة الخميني ولا شكّ أصابت الكثير من الرّؤوس المفكّرة، والقيادات الحركيّة بالصّدمة، إذ ظنّوها هي النّموذج الأصلح في التّغيير، فبعض الحركات خرجت بنتيجة اعتماد نظريّة حركة الجماهير، وأنّ الشّعوب هي الرقم الصّعب، وهي القادرة على خوض المعركة، وتحقيق النّتائج، ولو أردنا أن نردّ على هذه النّتيجة بصورة مقابلة لها تنقضها لرأينا أنّ تجربة الإنقاذ في الجزائر مثّلت الجانب السّلبيّ لهذه النّظريّة، وأنّ الجماهير كعدد لا تشكّل الرقم الصّعب في التّغيير، فلو قال قائل أنّ العمل النّخبويّ الطّليعيّ هو القادر على تحصيل النتائج لاحتجّ بآلاف التّجارب الانقلابيّة في العالم القديم والحديث، فليس بمثل هذه الأبعاد الفكريّة السّاذجة تناقش حركة التّغيير الانقلابية، لأنّ أعظم الباحثين والعاملين في هذه المسألة سيقول لك: إنّ أعظم النّاس إدراكًا لطبيعة عدوّه وحقيقته، ولطبيعة واقعه لن يستطيع أن يجزم بنتائج الحركة الثّوريّة الانقلابية، بل إنّ النّبيّ محمّد صلى الله عليه وسلم لم يكن يدري ما يفعل به، ولولا الوحي الإلهيّ المبشّر بحصول الظّفر لما كان لبشر -أيّ بشر- أن يخبرنا جزمًا بنتيجة حركة التغيير وسبب ذلك أنّ حركة التغيير الثوريّ الانقلابيّ هي من أشقّ ما يقع في الوجود من تفاعلات، وعناصر هذا التفاعل تشمل عناصر الوجود بأكمله، ثمّ إنّ من عناصر هذا التّفاعل الإنسان، وهو ليس بعنصر جامد خالي الإرادة، فإلى أيّ درجة سيضمن القائد هذا الرقم المتغيّر، والجماهير على مدار التّاريخ ضعيفة الإدراك، يسيطر عليها عقليّة وغريزة القطيع، فبلمسة ذكيّة تصبح الهتافات في اتّجاه معاكس إذا فقد اللاعب بعض بريقه أو إذا دخل عامل جديد على هذا التّفاعل الواقع.
حركة الخميني حركة معقّدة، دخلت فيها الكثير من العناصر، المعلوم منها والمجهول، الأصيل فيها والدّخيل، فكيف لعقلي الصّغير، ولنفسيّتي التي تحلّل الأشياء تآمريًّا أن أقبل القول أنّ الخميني بإخلاصه - مع كفره - قبلت منه فرنسا أن يركب من مطاراتها وينطلق كمخلِّص لمجتمعه من نير العبوديّة للغرب، من غير أن يقدّم الخمينيّ شيئًا من إخلاصه لشعبه مقابل هذا الصّنيع الفرنسي، بل الدوليّ.
نرجوكم: قليلًا من احترام العقل يا أصحاب العبوديّة للعقل والمنطق، لأنّه ليس من العقل ولا من المنطق أن يقول لي جودت سعيد ومدرسته أنّه بمجرّد أن أمر الخمينيّ الشّعب الإيرانيّ أن يواجه جيش الشّاه بالورود والقبلات حصلت المعجزة ووقع النّصر وتحقّق السّرّ الذي لم تكتشفه الحركات الإسلاميّة!!.