وفي الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال «إني والله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرًا منها إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها» .
فكان إحداث هذه العقود مع اعتقاد لزوم المحلوف عليه من أعظم ما جعلوه مانعًا من طاعة الله ورسوله فإن الرجل إذا حلف بطلاق نسائه وعتق عبيده وبصدقه ماله وبثلاثين حجة وصوم الدهر ونحو ذلك على ترك ما أمر الله به من صلة رحم وبر والدين وفعل واجب وأداء حق ونحو ذلك كانت هذه اليمين التي اعتقد لزومها من أعظم الموانع له عن طاعة الله ورسوله وإن حلف على تعدي حدود الله كقتل معصوم وظلم مسلم وفعل فاحشة كانت هذه الأيمان التي اعتقد لزومها من أعظم الأمور الحاضَّة له على انتهاك هذه المحارم وكان اعتقاد من اعتقد لزومها كاعتقاد من اعتقد لزوم العقود والشروط المخالفة لأمر الله ورسوله والنذور المخالفة لأمر الله ورسوله بل تلك إنما تكون في عامة الناس.
وأما عقود الأيمان* فتوسّل بها المنافقون والظالمون من ذوي القدرة والمُكنة إلى ما أرادوه من إفساد الدين وظلم المسلمين وساعدهم على ذلك ظنُّ من ظن أنها أيمان لازمة لا يسوغ فيها التكفير فصار فتيا هذا المفتى السليم من أعظم المعونة للشيطان الرجيم.
ومن عرف حقيقة دين الإسلام وما اشتمل عليه من مصالح الأنام وطاعة الملك العلام وتَضَمُّنَهُ من إرشاد العباد إلى ما ينفعهم في المعاش والمعاد وحفظ ما أنزله الله من الذكر الحكيم وصَوْنه من كل شيطان رجيم تبين له أنه لا سبيل لأحد أن يعقد عقدًا لازمًا يمنع من طاعة الله ورسوله ولا يكلف العباد بتحليل تلك العقود إلى ما يصرفهم عن طاعة الله ورسوله فإن مفارقة الأهل والمال من أعظم الضرر على النفوس والشارع أبدًا يرغب الناس في الطاعات ويخوفهم ويحذرهم من السيئات ويسهل عليهم سبيل الطاعة ويعظم عليهم سبيل المعصية.
فكان من تمام الدين الذي بعث الله به خاتم النبيين قوله صلى الله عليه
* في المطبوع: (الإيمان) . [نشأت ص91]