في مواضع الجاهلية إذا كان هناك من يعظم بغير حق من شيوخ المشركين وأهل الكتاب ومن يتشبه بهم من المنتسبين إلى الإسلام يكون بسبب شركهم وفجورهم تتنزل عليهم الشياطين وتخبرهم بأمور وتأتيهم بأمور ليغووا بها من يتبعهم ويظنه الجاهل منهم من كرامات الأولياء وإنما هو من أحوال السحرة والكهان وأهل الكذب والفجور الذين قال الله تعالى فيهم {26: 221 - 222 هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ • تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ} وأعرف من هذا أمورًا متعددة وبمعرفة هذا تتميز الأحوال الشيطانية من الأحوال الرحمانية والواحد من هؤلاء قد يستغيث بشيخه في ظهر الغيب وهو بعيد عنه فيرى صورته وقد خاطبه وقضى حاجته فيظن أن الشيخ فعل له ذلك أو ملك على صورته وإنما هو شيطان تمثل له ليضل هذا المشرك الذي دعا غير الله وقد وقع هذا لجماعات استغاثوا بي وبغيري وذكروا لي أني جئتهم في الغيب وأغثتهم وقضيت حاجتهم وهم صادقون فيما أخبروا به لكن ما كانوا يعرفون أن هذا من الشيطان لأجل شركهم بالله فأخبرتهم بحقيقة الحال لمَّا تبينت حقيقة أمرهم وجرى هذا لغيري كثيرًا.
وكان (شيخ) * آخر من أهل الفجور والشرك ومن شر الخلق له أحوال من هذا الجنس وينذر له ناس أشياء فيأتيه كلب أسود فيخبره أن فلانًا نذر لك كذا وقد قضيت حاجته لأجلك وغدًا يأتيك فإذا جاءوا أخبرهم بما جرى فيعُدّونه من أولياء الله وكان لا يصلي بل كان مُصِرًّا على الفواحش فلما تاب وصلح وصلى وحج وانتهى عن الفواحش ذهب ذلك الكلب وكان يرى نورًا فذهب ذلك النور وكان يرى أشياء فلما تاب لم يأته شيء من ذلك فعلم أن هذا كان من الشيطان وشكر الله على توبته وحَسُنَ إسلامه.
والمقصود بهذا أن النذر قد يكون لله وقد يكون لغير الله وما نُذِرَ لله قد يكون طاعة وقد لا يكون طاعة فلا يجب الوفاء إلا بما كان لله وكان طاعة لأن هذا هو الذي يأمر الله سبحانه ورسوله به وما ليس كذلك لا يأمر به.
* في المطبوع: (شيخًا) ! وهو تصحيف. [نشأت ص84]