* عن عبد الصمد بن يزيد قال: سمعت الفضيل يقول: لأن آكل عند اليهودي والنصراني، أحب إلي من أن آكل عند صاحب بدعة؛ فإني إذا أكلت عندهما لا يقتدى بي، وإذا أكلت عند صاحب بدعة اقتدى بي الناس.
أحب أن يكون بيني وبين صاحب بدعة حصن من حديد؛ وعمل قليل في سنة، خير من عمل صاحب بدعة.
ومن جلس مع صاحب بدعة لم يعط الحكمة؛ ومن جلس إلى صاحب بدعة فاحذره.
وصاحب بدعة، لا تأمنه على دينك، ولا تشاوره في أمرك، ولا تجلس إليه؛ فمن جلس إليه، ورثه الله عز وجل العمى.
وإذا علم الله من رجل أنه مبغض لصاحب بدعة، رجوت أن يغفر الله له، وإن قل عمله، فإني أرجو له؛ لأن صاحب السنة يعرض كل خير؛ وصاحب بدعة لا يرتفع له إلى الله عمل، وإن كثر عمله.
قال: وسمعت الفضيل يقول: إن الله عز وجل وملائكته يطلبون حلق الذكر، فانظر مع من يكون مجلسك؛ لا يكون مع صاحب بدعة، فإن الله تعالى لا ينظر إليهم؛ وعلامة النفاق: أن يقوم الرجل ويقعد مع صاحب بدعة؛ وأدركت خيار الناس، كلهم أصحاب سنة، وهم ينهون عن أصحاب البدعة.
* عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: عليكم بالسبيل والسنة، فإنه ليس من عبد على سبيل وسنة، ذكر الرحمن عز وجل، ففاضت عيناه من خشية الله عز وجل، فتمسه النار؛ وليس من عبد على سبيل وسنة، ذكر الرحمن، فاقشعر جلده من مخافة الله عز وجل، إلا كان مثله كمثل شجرة يبس ورقها، فبينا هي كذلك، إذ أصابتها الريح، فتحاتت عنها ورقها، إلا تحاتت عنه ذنوبه، كما تحات عن هذه الشجرة ورقها؛ وإن اقتصادًا في سبيل وسنة، خير من اجتهاد في خلاف سبيل الله وسنته؛ فانظروا أعمالكم، فإن كانت اجتهادًا أو اقتصادًا، أن تكون على منهاج الأنبياء وسنتهم.
* عن سفيان الثوري قال: بلغني عن عمر أنه كتب إلى بعض عماله، فقال: أوصيك بتقوى الله، والاقتصاد في أمره، واتباع سنة رسوله، وترك ما أحدث المحدثون بعده مما قد جرت سنته، وكفوا مؤنته؛ واعلم أنه لم يبتدع إنسان قط بدعة، إلا قد مضى قبلها ما هو دليل عليها، وعبرة فيها؛ فعليك بلزوم السنة، فإنها لك بإذن الله عصمة، واعلم أن من سن السنن، قد علم ما في خلافها من الخطأ والزلل، والتعمق والحمق، فإن السابقين الماضين عن علم وقفوا، وببصرنا قد كفوا.
* قال عمر بن عبد العزيز: لولا أن تكون بدعة، لحلفت أن لا أفرح من الدنيا بشيء أبدًا، حتى أعلم ما في وجوه رسل ربي إلىّ عند الموت؛ وما أحب أن يهون علي الموت، لأنه آخر ما يؤجر عليه المؤمن.
* عن منصور بن عمار قال: كتب إلي بشر المريسي: أعلمني، ما قولكم في القرآن، مخلوق هو، أو غير مخلوق؟ فكتبت إليه: بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد: عافانا الله وإياك من كل فتنة، فإن يفعل، فأعظم بها نعمة، وإن لم يفعل، فهو الهلكة؛ كتبت إلي أن أعلمك: القرآن مخلوق، أو غير مخلوق؛ فاعلم: أن الكلام في القرآن بدعة، يشترك فيها السائل والمجيب، فتعاطى السائل ما ليس له بتكلف، والمجيب ما ليس عليه؛ والله تعالى الخالق، وما دون الله مخلوق، والقرآن كلام مخلوق؛ فانته بنفسك وبالمختلفين في القرآن، إلى أسمائه التي سماه الله بها، تكن من المهتدين؛ ولا تبتدع في القرآن من قلبك اسمًا، فتكون من الضالين؛ وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [لأعراف: 180] . جعلنا الله وإياكم ممن يخشونه بالغيب، وهم من الساعة مشفقون.
* عن أبي إسحاق الفزاري قال: قال الأوزاعي في الرجل يسأل: أمؤمن أنت حقًا؟ قال: إن المسألة عما سئل من ذلك بدعة، والشهادة عليه تعمق، ولم نكلفه في ديننا، ولم يشرعه نبينا عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام؛ ليس لمن يسأل عن ذلك فيه إمام، إلا مثل القول فيه جدل، المنازعة فيه حدث وهزؤ؛ ما شهادتك لنفسك بذلك، بالذي يوجب لك تلك الحقيقة، إن لم تكن كذلك، ولا تركك الشهادة لنفسك بها بالتي تخرجك من الإيمان، إن كنت كذلك وإن الذي يسألك عن إيمانك، ليس يشك في ذلك بمثل، ولكنه يريد أن ينازع الله علمه في ذلك، حتى يزعم أن علمه وعلم الله في ذلك سواء؛ فاصبر نفسك على السنة، وقف حيث وقف القوم، وقل بما قالوا، وكف عما كفوا عنه، واسلك سبل سلفك الصالح، فإنه يسعك ما وسعهم؛ وقد كان أهل الشام في غفلة من هذه البدع، حتى قذفها إليهم بعض أهل العراق ممن دخلوا في تلك البدعة، بعد ما ردها عليهم علماؤهم وفقهاؤهم؛ فأسربها قلوب طوائف من أهل الشام، فاستحلتها ألسنتهم، وأصابهم ما أصاب غيرهم من الاختلاف فيهم؛ ولست بآيس: أن يدفع الله سيء هذه البدعة، إلى أن يصير جوابًا بعد مواد، إلى أن تفرغ في دينهم وتباغض؛ ولو كان هذا خيرًا ما خصصتم به دون أسلافكم، فإنه لم يدخر عنهم خيرًا حق لكم دونهم، لفضل عندكم، وهم أصحاب نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم -، الذين اختارهم له، وبعثه فيهم، ووصفهم بما وصفهم، فقال: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا} [الفتح: 29] . ويقول: إن فرائض الله ليس من الإيمان، وإن الإيمان قد يطلب بلا عمل؛ وإن الناس لا يتفاضلون في إيمانهم، وإن برهم وفاجرهم في الإيمان سواء؛ وما هكذا جاء الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فإنه بلغنا: أنه قال: «الإيمان بضع وسبعون ـ أو: بضع وستون ـ جزءًا، أولها: شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان» . وقال الله تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيه} [الشورى: 13] . والدين هو التصديق، وهو الإيمان والعمل؛ فوصف الله الدين قولًا وعملًا، فقال: {) فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ} [التوبة: 11] . فالتوبة من الشرك قول، وهي من الإيمان، والصلاة والزكاة عمل.
* عن جعفر بن عبد الله قال: كنا عند مالك بن أنس، فجاءه رجل، فقال: يا أبا عبد الله، الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5] . كيف استوى؟ فما وجد مالك من شيء، ما وجد من مسألته؛ فنظر إلى الأرض، وجعل ينكت بعود في يده، حتى علاه الرحضاء ـ يعني: العرق ـ ثم رفع رأسه، ورمى بالعود؛ وقال: الكيف معقول، والإستواء مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وأظنك صاحب بدعة؛ وأمر به، فأخرج.
* قال يونس بن عبيد: ثلاثة احفظوهن عني: لا يدخل أحدكم على سلطان يقرأ عليه القرآن، ولا يخلون أحدكم مع امرأة شابة يقرأ عليها القرآن، ولا يمكن أحدكم سمعه من أصحاب الأهواء.
* عن ميمون بن مهران قال: ثلاث لا تبلون نفسك بهن، لا تدخل على السلطان، وإن قلت: آمره بطاعة الله، ولا تدخل على امرأة، وإن قلت: أعلمها كتاب الله، ولا تصغين بسمعك لذي هوى، فإنك لا تدري ما يعلق بقلبك منه.
* قال رجل لسفيان الثوري: يا أبا عبد الله، أوصني، قال: إياك والأهواء، إياك والخصومة، إياك والسلطان.
* عن وهب بن إسماعيل الأسدي قال: كنا عند سفيان الثوري، فجاءه رجل، فسأله عن مسألة، وعلى رأسه قلنسوة سوداء، فنظر إليه، فأعرض عنه، ثم سأله الثانية: فنظر إليه، فأعرض عنه، فقال له: يا أبا عبد الله، يسألك الناس فتجيبهم، وأسألك، فتنظر إلي، ثم تعرض عني، فقال: هذا الذي تسألني: أي شيء تريد به؟ قال: السنة، قال: فهذا الذي على رأسك، أي شيء هو من السنة؟ هذه سنة سنها رجل سوء يقال له: أبو مسلم، لا تستن بسنته؛ قال: فنزع الرجل قلنسوته، فوضعها، ثم لبث قليلًا، ثم قام فذهب.
* عن عبد الله بن محيريز قال: يذهب الدين سنة سنة، كما يذهب الحبل قوة قوة.
* عن خلف بن حوشب قال: قال لي الربيع بن أبي راشد إقرأ علي، فقرأت عليه: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ} [الحج: 5] . فقال: لولا أن تكون بدعة، لسحت، أو همت في الجبال.
* عن عامر بن عبد الله بن الزبير قال: جئت أبي، فقال: أين كنت؟ فقلت: وجدت أقوامًا ما رأيت خيرًا منهم، يذكرون الله تعالى، فيرعد أحدهم، حتى يغشى عليه من خشية الله تعالى؛ فقعدت معهم؛ قال: لا تقعد معهم بعدها؛ فرأى كأنه لم يأخذ ذلك في؛ فقال: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتلو القرآن، ورأيت أبا بكر وعمر يتلوان القرآن، فلا يصيبهم هذا؛ أفتراهم أخشع لله تعالى من أبي بكر وعمر؟ فرأيت أن ذلك كذلك، فتركتهم.