فهرس الكتاب

الصفحة 325 من 392

* عن كعب الأحبار أنه قال في القرآن: فيما أنزل على محمد - صلى الله عليه وسلم - آيتان أحصتا ما في التوراة والإنجيل؛ ألا تجدون: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ. وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [الزلزلة: 7ـ8] ؟

قال جلساؤه: نعم.

قال: فانهما أحصتا ما في التوراة والإنجيل.

وقال كعب: لا يضركم أن تسألوا عن العبد ماله عند الله بعد وفاته، إلا أن تنظروا ما يورث: فإن ورث لسان صدق: فالذي له عند ربه خير مما يورث، وإن ورث لسان سوء: فالذي له عند ربه شر مما يورث؛ والإنسان: تابعه خير وشر، والمرء: حيث وضع نفسه ومع قرينه: إن أحب الصالحين: جعله الله معهم، وإن أحب الأشرار: جعله الله معهم؛ أنتم شهداء الله على سائر الأمم، وجعل نبيكم - صلى الله عليه وسلم - شاهدا عليكم؛ ثم تلا: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة: 143] .

* عن كعب الأحبار قال: إن الرب تعالى قال لموسى عليه السلام: يا موسى، إذا رأيت الغنا مقبلًا، فقل: ذنب عجلت عقوبته؛ وإذا رأيت الفقر مقبلًا، فقل: مرحبًا بشعار الصالحين.

يا موسى، إنك لن تتقرب إلي بعمل من أعمال البر، خير لك من: الرضا بقضائي، ولن تأتي بعمل أحبط لحسناتك من: البطر؛ إياك والتضرع لأبناء الدنيا إذا أعرض عنك، وإياك أن تجود بدينك لدنياهم: إذًا، آمر أبواب رحمتي أن تغلق دونك.

أدن الفقراء، وقرب مجالستهم منك؛ ولا تركنن إلى حب الدنيا: فإنك لن تلقاني بكبيرة من الكبائر أضر عليك: من الركون الى الدنيا.

يا موسى بن عمران، قل للمذنبين النادمين: أبشروا، وقل للغافلين المعجبين: اخسئوا.

* عن كعب الأحبار، أنه كان يقول: اعمل عمل العبد: الذي لا يرى أنه يموت إلا هرمًا، واحذر حذر المرء: الذي يرى أنه يموت غدًا.

* عن عمرو بن قيس قال: ما كدت أن أعمر نفسي: حتى أبلى جسمي، وما من عبد أنزل الدنيا حق منزلتها: حتى يرضى أن يوطأ فيها بالأقدام، ومن الذلة ومن أهان نفسه في الله عز وجل: أعزه الله يوم القيامة؛ وإن أبغض الأجساد إلى الله: الجسد الناعم.

* عن صالح المري قال: يا عجبًا لقوم: أمروا بالزاد، وأذنوا بالرحيل، وحبس أولهم على آخرهم، وهم يلعبون.

* عن الحسن بن حسان قال: كنا يومًا عند صالح المري، وهو يتكلم ويعظ؛ فقال لرجل حدث بين يديه: اقرأ يا بني، فقرأ الرجل: {وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ} [غافر:18] . فقطع عليه صالح القراءة؛ فقال: وكيف يكون للظالمين حميم أو شفيع، والطالب له رب العالمين؟ إنك والله، لو رأيت الظالمين وأهل المعاصي، يساقون في السلاسل والأغلال إلى الجحيم، حفاة، عراة، مسودة وجوههم، مزرقة عيونهم، ذائبة أجسامهم، ينادون: يا ويلاه، يا ثبوراه، ماذا نزل بنا؟ ماذا حل بنا؟ أين يذهب بنا؟ ماذا يراد منا؟ والملائكة تسوقهم بمقامع النيران: فمرة يجرون على وجوههم، ويسحبون عليها متكئين؛ ومرة يقادون إليها عنتا مقرنين، من بين باك دمًا بعد انقطاع الدموع، ومن بين صارخ، طائر القلب مبهوت.

إنك والله، لو رأيتهم على ذلك: لرأيت منظرًا لا يقوم له بصرك، ولا يثبت له قلبك، ولا يستقر لفظاعة هو له على قرار قدمك.

ثم نحب، وصاح: ياسوء منظراه، ويا سوء منقلباه، وبكى، وبكى الناس.

فقام شاب به تأنيث، فقال: أكل هذا في القيامة يا أبا البشر؟

قال: نعم والله يا ابن أخي، وما هو أكبر من ذلك؛ لقد بلغني: أنهم يصرخون في النار، حتى تنقطع أصواتهم، فلا يبقى منها: إلا كهيئة الأنين من المدنف.

فصاح الفتى: إنا لله، واغفلتاه عن نفسي أيام الحياة، ويا أسفي على تفريطي في طاعتك يا سيداه، وا أسفاه على تض

ييع عمري في دار الدنيا؛ ثم بكى، واستقبل القبلة؛ ثم قال: اللهم، إني أستقبلك في يومي هذا بتوبة لك، لا يخالطها رياء لغيرك؛ اللهم، فاقبلني على ما كان مني، واعف عما تقدم من عملي، وأقلني عثرتي، وارحمني ومن حضرني، وتفضل علينا بجودك أجمعين، يا أرحم الراحمين؛ لك ألقيت معاقد الآثام من عنقي، وإليك أنبت جميع جوارحي، صادقًا بذلك قلبي؛ فالويل لي إن أنت لم تقبلني.

ثم غلب، فسقط مغشيًا عليه، فحمل من بين القوم صريعًا، يبكون عليه، ويدعون له؛ وكان صالح: كثيرًا ما يذكره في مجلسه، يدعو الله له، ويقول: بأبي قتيل القرآن، بأبي قتيل المواعظ والأحزان.

فرآه رجل في منامه، فقال: ما صنعت؟

قال: عمتني بركة مجلس صالح، فدخلت في سعة رحمة الله التي وسعت كل شئ.

قال: وكنا في مجلس صالح المري؛ فأخذ في الدعاء، فمر رجل مخنث، فوقف يسمع الدعاء، ووافق صالحًا يقول: اللهم، اغفر لأقسانا قلبًا، وأجمدنا عينًا، وأحدثنا بالذنوب عهدًا.

فسمع المخنث، فمات؛ فرؤى في المنام، فقيل له: ما فعل الله بك.

قال: غفر الله لي.

قيل: بماذا؟

قال: بدعاء صالح المري؛ لم يكن في القوم أحد أحدث عهدًا بالمعصية مني، فوافقت دعوته الإجابة، فغفر لي.

(6/ 165ـ167)

* عن صالح المري قال: دفعت إلي صحيفة في المنام، فيها: ما تخوفت عواقبه: فوطن نفسك على أن تجتنبه.

* قال الربيع بن برة: عجبت للخلائق، كيف ذهلوا عن أمر حق تراه عيونهم؟ وشهد عليه معاقد قلوبهم، إيمانا وتصديقا بما جاء به المرسلون؟ ثم هاهم في غفلة عنه، سكارى يلعبون.

ثم يقول: وأيم الله، ما تلك الغفلة: إلا رحمة من الله لهم، ونعمة من الله عليهم؛ ولولا ذلك: لألفى المؤمنون، طائشة عقولهم، طائرة أفئدتهم، محلقة قلوبهم، لا ينتفعون مع ذكر الموت بعيش أبدًا، حتى يأتيهم الموت وهم على ذلك.

أكياس مجتهدون، قد تعجلوا إلى مليكهم، بالاشتياق إليه بما يرضيه عنهم قبل قدومهم عليه؛ فكأني والله أنظر إلى القوم، قد قدموا على ما قدموا: من القربة إلى الله تعالى مسرورين، والملائكة من حولهم، يقدمونهم على الله مستبشرين، يقولون: {سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [النحل: 32] .

* كان الربيع بن برة يقول: نصب المتقون الوعيد من الله أمامهم، فنظرت إليه قلوبهم بتصديق وتحقيق؛ فهم والله في الدنيا منغصون، ووقفوا ثواب الأعمال الصالحة خلف ذلك؛ فمتى سمت أبصار القلوب إلى ثواب الأعمال: تشوقت القلوب، وارتاحت إلى حلول ذلك؛ فهم والله إلى الآخرة متطلعون: بين وعيد هائل، ووعد حق صادق؛ فلا ينفكون من خوف وعيد: إلا رجعوا إلى تشوق موعود؛ فهم كذلك، وعلى ذلك: حتى يأتي أمر الله؛ وهم أيضًا: مذابيل في الموت، جعلت لهم الراحة؛ ثم يبكي.

* عن الربيع بن عبد الرحمن قال في كلامه: قطعتنا غفلة الآمال عن مبادرة الآجال، فنحن في الدنيا حيارى، لا ننتبه من رقدة: إلا أعقبتنا في أثرها غفلة؛ فيا أخوتاه: نشدتكم بالله، هل تعلمون مؤمنًا بالله أغر؟ ولنقمه أقل حذرًا من قوم هجمت بهم الغير على مصارع النادمين، فطاشت عقولهم، وضلت حلومهم: عندما رأوا من العبر والأمثال؛ ثم رجعوا من ذلك إلى غير عقله ولا نقله؟

فبالله يا اخوتاه: هل رأيتم عاقلًا رضي من حاله لنفسه بمثل هذه حالًا؟ والله عباد الله، لتبلغن من طاعة الله تعالى رضاه، أو لتنكرن ما تعرفون: من حسن بلائه، وتواتر نعمائه.

إن تحسن أيها المرء: يحسن إليك، وإن تسئ: فعلى نفسك بالعتب فارجع؛ فقد بين، وحذر، وأنذر؛ فما للناس على الله حجة بعد الرسل، وكان الله عزيزًا حكيمًا.

* عن الربيع بن صبيح قال: قلنا للحسن: يا أبا سعيد، عظنا.

فقال: إنما يتوقع الصحيح منكم: داء يصيبه، والشاب منكم: هرمًا يفنيه، والشيخ منكم: موتًا يرديه؛ أليس العواقب ما تسمعون؟ أليس غدًا تفارق الروح الجسد؟ المسلوب غدًا أهله وماله، الملفوف غدًا في كفنه، المتروك غدًا في حفرته، المنسي غدًا من قلوب أحبته، الذين كان سعيه وحزنه لهم.

ابن آدم، نزل بك الموت، فلا ترى قادمًا، ولا تجيء زائرًا، ولا تكلم قريبًا، ولا تعرف حبيبا؛ تنادي فلا تجيب، وتسمع فلا تعقل؛ قد خربت الديار، وعطلت العشار، وأيتمت الأولاد؛ قد شخص بصرك، وعلا نفسك، واصطكت أسنانك، وضعفت ركبتاك؛ وصار أولادك غرباء عند غيرك.

(6/ 304ـ305)

* مر شيخ من الكوفيين ـ كان كاتبًا لسفيان الثوري ـ فقال له سفيان: يا شيخ، ولي فلان؛ فكتبت له، ثم عزل، وولي فلان؛ فكتبت له، ثم عزل، وولي فلان.

فكتبت له: وأنت يوم القيامة أسوأهم حالًا، يدعى بالأول: فيسأل، ويدعى بك: فتسأل معه عما جرى على يدك له، ثم يذهب؛ وتوقف أنت، حتى يدعى بالآخر، فيسأل، وتسأل أنت عما جرى على يدك له، ثم يذهب؛ وتوقف أنت، حتى يدعى بالآخر؛ فأنت يوم القيامة أسوأهم حالًا.

قال: فقال الشيخ: فكيف أصنع يا أبا عبد الله بعيالي؟ فقال سفيان: اسمعوا، هذا يقول: إذا عصى الله: رزق عياله، وإذا أطاع الله: ضيع عياله؛ قال: ثم قال سفيان: لا تقتدوا بصاحب عيال، فما كان عذر من عوتب، إلا أن قال: عيالي.

* كان سفيان الثوري إذا ذكر الموت: لا ينتفع به أيامًا؛ فإذا سئل عن الشيء، قال: لا أدري، لا أدرى.

* عن سفيان الثوري قال: لا تصلح القراءة: إلا بالزهد، واغبط الأحياء: بما تغبط به الأموات، وأحب الناس: على قدر أعمالهم، وذل عند الطاعة، واستعص عند المعصية.

* عن الحسن بن صالح قال: الليل والنهار: يبليان كل جديد، ويقربان كل بعيد، ويأتيان بكل موعود ووعيد؛ ويقول النهار: ابن آدم، اغتنمتني، فإنك لا تدري: لعله لا يوم لك بعدي؛ ويقول له الليل مثل ذلك.

* قال ابن السماك في زهد داود الطائي حين مات: يا أيها الناس، إن أهل الدنيا: تعجلوا عموم القلب، وهموم النفس، وتعب الأبدان، مع شدة الحساب؛ فالرغبة: متعبة لأهلها في الدنيا والآخرة، والزهادة: راحة لأهلها في الدنيا والآخرة.

وإن داود، نظر بقلبه إلى ما بين يديه: فأعشى بصر قلبه بصر العيون، فكأنه لم يبصر ما إليه تنظرون، وكأنكم لا تبصرون ما إليه ينظر؛ فأنتم منه تعجبون، وهو منكم يتعجب؛ فلما نظر إليكم راغبين مغرورين، قد ذهبت على الدنيا عقولكم، وماتت من حبها قلوبكم، وعشقتها أنفسكم، وامتدت إليها أبصاركم: استوحش الزاهد منكم؛ فكنت إذا نظرت إليه: عرفت أنه من أهل الدنيا وحش، وذلك: أنه كان حيًا وسط موتى.

يا داود، ما أعجب شأنك، وقد يزيد في عجبك: أنك من أهل زمانك، ألزمت نفسك الصمت، حتى قومتها على العدل؛ أهنتها، وإنما تريد كرامتها؛ وأذللتها، وإنما تريد إعزازها؛ ووضعتها، وإنما تريد تشريفها؛ وأتعبتها، وإنما تريد راحتها؛ وأجعتها، وإنما تريد شبعها؛ وأظمأتها، وإنما تريد ريها؛ وخشنت الملبس، وإنما تريد لينه؛ وجشبت المطعم، وإنما تريد طيبه؛ وأمت نفسك قبل أن تموت، وقبرتها قبل أن تقبر، وعذبتها قبل أن تعذب، وغيبتها عن الناس كي لا تذكر؛ ورغبت بنفسك عن الدنيا: فلم تر لها قدرًا ولا خطرًا؛ ورغبت بنفسك عن الدنيا: عن أزواجها، ومطاعمها، وملابسها: إلى الآخرة، وأزواجها، ولباسها، وسندسها، وحريرها، وإستبرقها.

فما أظنك، إلا: قد ظفرت بما طلبت، وظفرت بما فيه رغبت؛ كان سيماك في عملك وسرك، ولم تكن سيماؤك في وجهك ولا إظهارك؛ فقهت في دينك، ثم تركت الناس يفتون ويتفقهون؛ وسمعت الأحاديث، ثم تركت الناس يتحدثون ويروون؛ وخرست عن القول، وتركت الناس ينطقون.

لا تحسد الأخيار، ولا تعيب الأشرار، ولا تقبل من السلطان عطية، ولا من الأمراء هدية، ولا تدنيك المطامع، ولا ترغب إلى الناس في الصنائع.

آنس ما تكون: إذا كنت بالله خاليًا، وأوحش ما تكون: إذا كنت مع الناس جالسًا، فأوحش ما تكون: آنس ما يكون الناس، وآنس ما تكون: أوحش ما يكون الناس.

جاوزت حد المسافرين في أسفارهم، وجاوزت حد المسجونين في سجونهم؛ فأما المسافرون: فيحملون من الطعام والحلاوة ما يأكلون؛ وأما أنت: فإنما هي خبزة، أو خبزتان في شهرك، ترمى بها في دن عندك؛ فإذا أفطرت: أخذت منها حاجتك، فجعلته في مطهرتك، ثم صببت من الماء ما يكفيك، ثم اصطبغت به ملجأ؛ فهذا إدامك وحلواؤك وكل نومك.

فمن سمع بمثلك: صبر صبرك، أو عزم عزمك؛ وما أظنك: إلا قد لحقت بالماضين، وما أظنك: إلا قد فضلت الآخرين؛ ولا أحسبك: إلا قد أتعبت العابدين.

داود، أنت كنت حيًا في الآخرين، وقد لحقت بالأولين؛ وأنت في زمن الراغبين؛ ولقد أخذت بذروة الزاهدين.

وأما المسجون: فيكون مع الناس محبوسًا، فيأنس بهم؛ لأن العدد كثير منهم معه، وأما أنت: فسجنت نفسك في بيتك وحدك؛ فلا محدث ولا جليس معك، فلا أدري: أي الأمرين أشد عليك الخلوة في بيتك، تمر به الشهور والسنون؛ أم تركك المطاعم والمشارب: لا تأكل منها، ولا تريح إلى شيء منها؛ لا ستر على بابك، ولا فراش تحتك، ولا قلة يبرد فيها ماؤك، ولا قصعة فيه غداؤك وعشاؤك؛ مطهرتك: قلتك، وقصعتك: تورك.

وكل أمرك داود عجبًا؛ أما كنت تشتهي من الماء بارده؟ ولا من الطعام طيبه، ولا من اللباس لينه؟ بلى، ولكنك زهدت فيه، لما بين يديك، مما دعيت إليه ورغبت فيه.

فما أصغر ما بذلت، وما أحقر ما تركت، وما أيسر ما فعلت في جنب ما أملت أو طلبت؛ أما أنت: فقد ظفرت بروح العاجل، وسعيت إن شاء الله في الآجل؛ عزلت الشهوة عنك في حياتك: لكيلا يدخلك عجبها، ولا تلحقك فتنتها؛ فلما مت: شهرك ربك بموتك، وألبسك رداء عملك: فلم تنثر ما عملت في سرك؛ فأظهر الله اليوم ذلك، وأكثر نفعك، وخشيت الجماعة.

فلو رأيت اليوم كثرة تبعك: عرفت أن ربك قد أكرمك وشرفك؛ فقل لعشيرتك اليوم تتكلم بألسنتها، فقد أوضح اليوم ربك فضلها: أن كنت منها؛ فلو لم تسترح إلى خير تعمله: إلا حسن هذا النشر، وجميل هذا المشهد، لكثرة هذا التبع؛ إن ربك لا يضيع مطيعًا ولا ينسى صنيعًا؛ يشكر لخلقه ما صنع فيما أنعم عليهم: أكثر من شكرهم إياه؛ فسبحانه شاكرًا، مجازيًا، مثيبًا.

(7/ 336ـ338)

* عن إبراهيم بن أدهم قال: اذكر ما أنت صائر إليه حق ذكره، وتفكر فيما مضى من عمرك: هل تثق به، وترجو النجاة من عذاب ربك؟ فإن إذا كنت كذلك: شغلت قلبك بالاهتمام بطريق النجاة: عن طريق اللاهين، الآمنين، المطمئنين، الذين اتبعوا أنفسهم هواها، فأوقعتهم على طريق هلكاتهم؛ لا جرم: سوف يعلمون، وسوف يتأسفون، وسوف يندمون: {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ} [الشعراء: 227] .

* عن إبراهيم بن أدهم قال: كنت مارًا في بعض المدن، فرأيت نفسين من الزهاد والسياحين في الأرض.

فقال أحدهما للآخر: يا أخي، ما ورث أهل المحبة من محبوبهم؟

فأجابه الآخر: ورثوا النظر بنور الله تعالى، والتعطف على أهل معاصي الله.

قال: فقلت له: كيف يعطف على قوم قد خالفوا محبوبهم؟

فنظر إلي، ثم قال: مقت أعمالهم، وعطف عليهم: ليردهم بالمواعظ عن فعالهم؛ وأشفق على أبدانهم من النار؛ لا يكون المؤمن مؤمنًا حقًا: حتى يرضى للناس ما يرضى لنفسه؛ ثم غابوا، فلم أرهم.

* قال إبراهيم بن أدهم: خرجت أريد بيت المقدس؛ فلقيت سبعة نفر، فسلمت عليهم؛ وقلت: أفيدوني شيئًا، لعل الله ينفعني به.

فقالوا لي: انظر كل قاطع يقطعك عن الله من أمر الدنيا والآخرة: فاقطعه.

فقلت: زيدوني رحمكم الله.

قالوا: انظر، ألا ترجو أحدًا غير الله، ولا تخاف غيره.

فقلت: زيدوني رحمكم الله.

قالوا: انظر كل من يحبه: فأحبه، وكل من يبغضه: فابغضه.

قلت: زيدوني رحمكم الله.

قالوا: عليك بالدعاء، والتضرع، والبكاء في الخلوات، والتواضع والخضوع له حيث كنت، والرحمة للمسلمين، والنصح لهم.

فقلت لهم: زيدوني رحمكم الله.

فقالوا: اللهم، حل بيننا وبين هذا الذي شغلنا عنك، ما كفاه هذا كله؛ فلا أدري: السماء رفعتهم، أم الأرض ابتلعتهم؟ فلم أرهم، ونفعني الله بهم.

(8/ 25ـ26)

* عن إبراهيم بن أدهم قال: خالفتم الله فيما أنذر وحذر، وعصيتموه فيما نهى وأمر، وكذبتموه فيما وعد وبشر، وكفرتموه فيما أنعم وقدر؛ وإنما تحصدون ما تزرعون، وتجنون ما تغرسون، وتكافؤن بما تفعلون، وتجزون بما تعملون.

فاعلموا إن كنتم تعقلون، وانتهوا من وسن رقدتكم لعلكم تفلحون.

قال: وسمعته يقول: الله الله في هذه الأرواح والأبدان الضعيفة، الحذر الحذر، الجد الجد؛ كونوا على حياء من الله، فوالله، لقد ستر وأمهل، وجاد فأحسن، حتى كأنه قد غفر: كرمًا منه لخلقه.

* عن عمر بن عبد العزيز: أنه شيع جنازة، فلما انصرفوا، تأخر عمر وأصحابه ناحية عن الجنازة، فقال له أصحابه: يا أمير المؤمنين، جنازة أنت وليها، تأخرت عنها فتركتها وتركتها؟ فقال: نعم، ناداني القبر من خلفي: يا عمر بن عبد العزيز، ألا تسألني ما صنعت بالأحبة؟ قلت: بلى، قال: خرقت الأكفان، ومزقت الأبدان، ومصصت الدم، وأكلت اللحم؛ ألا تسألني ما صنعت بالأوصال؟ قلت: بلى، قال: نزعت الكفين من الذراعين، والذراعين من العضدين، والعضدين من الكتفين، والوركين من الفخذين، والفخذين من الركبتين، والركبتين من الساقين، والساقين من القدمين؛ ثم بكى عمر، فقال: ألا إن الدنيا بقاؤها قليل، وعزيزها ذليل، وغنيها فقير، وشبابها يهرم، وحيها يموت، فلا يغرنكم إقبالها مع معرفتكم بسرعة إدبارها، والمغرور من إغتر بها؛ أين سكانها الذين بنوا مدائنها، وشققوا أنهارها، وغرسوا أشجارها، وأقاموا فيها أيامًا يسيرة؟ غرتهم بصحتهم، وغروا بنشاطهم، فركبوا المعاصي؛ إنهم كانوا والله في الدنيا مغبوطين بالأموال على كثرة المنع عليه، محسودين على كم، ما صنع التراب بأبدانهم، والرمل بأجسادهم، والديدان بعظامهم وأوصالهم؟ كانوا في الدنيا على أسرة مهدة، وفرش منضدة، بين خدم يخدمون، وأهل يكرمون، وجيران يعضدون؛ فإذا مررت فنادهم إن كنت مناديًا، وادعهم إن كنت لا بد داعيًا، ومر بعسكرهم، وانظر إلى تقارب منازلهم التي كان بها عيشهم، وسل غنيهم ما بقي من غناه، وسل فقيرهم ما بقي من فقره، وسلهم عن الألسن التي كانوا بها يتكلمون، وعن الأعين التي كانت إلى اللذات بها ينظرون، وسلهم عن الجلود الرقيقة، والوجوه الحسنة، والأجساد الناعمة، ما صنع بها الديدان؟ محت الألوان، وأكلت اللحمان، وعفرت الوجوه، ومحت المحاسن، وكسرت الفقار، وأبانت الأعضاء، ومزقت الأشلاء، وأين حجالهم وقبابهم؟ وأين خدمهم وعبيدهم؟ وجمعهم ومكنوزهم؟ والله ما زودوهم فراشًا، ولا وضعوا هناك متكأ، ولا غرسوا لهم شجرًا، ولا أنزلوهم من اللحد قرارًا؛ أليسوا في منازل الخلوات والفلوات؟ أليس الليل والنهار عليهم سواء؟ أليس هم في مدلهمة ظلماء، قد حيل بينهم وبين العمل، وفارقوا الأحبة؟ فكم من ناعم وناعمة، أصبحوا ووجوههم بالية، وأجسادهم من أعناقهم نائية، وأوصالهم ممزقة، قد سالت الحدق على الوجنات، وامتلأت الأفواه دمًا وصديدًا، ودبت دواب الأرض في أجسادهم، ففرقت أعضائهم، ثم لم يلبثوا والله إلا يسيرًا، حتى عادت العظام رميمًا، قد فارقوا الحدائق، فصاروا بعد السعة إلى المضايق، قد تزوجت نساؤهم، وترددت في الطريق أبناؤهم، وتوزعت القرابات ديارهم وتراثهم، فمنهم والله الموسع له في قبره، الغض الناضر فيه، المتنعم بلذته؛ يا ساكن القبر غدًا، ما الذي غرك من الدنيا؟ هل تعلم أنك تبقى، أو تبقى لك؟ أين دارك الفيحاء، ونهرك المطرد؟ وأين ثمرك الناضر ينعه؟ وأين رقاق ثيابك؟ وأين طيبك؟ وأين بخورك؟ وأين كسوتك لصيفك وشتائك؟ أما رأيته قد نزل به الأمر، فما يدفع عن نفسه وجلًا، وهو يرشح عرقًا، ويتلمظ عطشًا، يتقلب من سكرات الموت وغمراته، جاء الأمر من السماء، وجاء غالب القدر والقضاء، جاء من الأمر والأجل ما لا تمتنع منه، هيهات هيهات يا مغمض الوالد والأخ والولد، وغاسله، يا مكفن الميت وحامله، يا مخليه في القبر وراجعًا عنه، ليت شعري، كيف كنت على خشونة الثرى؟ يا ليت شعري، بأي خديك بدأ البلاء؟ يا مجاور الهلكات، صرت في محلة الموتى، ليت شعري، ما الذي يلقاني به ملك الموت؟ ثم خروجي من الدنيا، وما يأتيني به من رسالة ربي، ثم تمثل:

تسر بما يفنى وتشغل بالصبا…كما غر باللذات في النوم حالم

نهارك يا مغرور سهو وغفلة…وليلك نوم والردى لك لازم

وتعمل فيما سوف تكره غبه…كذلك في الدنيا تعيش ألبهايم

ثم انصرف فما بقي بعد ذلك إلا جمعة.

(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت