فهرس الكتاب

الصفحة 320 من 392

* عن أبي عبد الله الساجي قال: وقف أعرابي على أخ له حضري؛ فقال الحضري: كيف تجدك أبا كثير؟ قال: أحمد الله، أي أخي: ما بقاء عمر تقطعه الساعات، وسلامة بدن معرض للآفات؟ ولقد عجبت للمؤمن: كيف يكره الموت، وهو سبيله إلى الثواب؟ وما أرانا إلا سيدركنا الموت، ونحن أبق.

* قيل لأبي الفيض ذي النون: كيف أصبحت؟ قال: أصبحت تعبًا إن نفعني تعبي، والموت يجد في طلبي.

وقيل له: كيف أصبحت؟ فقال: أصبحت مقيمًا على ذنب ونعمة، فلا أدري: من الذنب أستغفر، أم على النعمة أشكر؟

وقيل له: كيف أصبحت؟ قال: أصبحت بطالًا عن العبادة، متلوثًا بالمعاصي؛ أتمنى منازل الأبرار، وأمل عمل الأشرار.

* عن أبي سليمان قال: مررت في جبل اللكام في جوف الليل، فسمعت رجلًا يقول في دعائه: سيدي، وأملي، ومؤملي، ومن به تم عملي: أعوذ بك من بدن لا ينتصب بين يديك، وأعوذ بك من قلب لا يشتاق إليك، وأعوذ بك من دعاء لا يصل إليك، وأعوذ بك من عين لا تبكي إليك علمت أنه عرف.

فقلت: يا فتى، إن للعارفين مقامات، وللمشتاقين علامات.

قال: ما هي؟

قلت: كتمان المصيبات، وصيانات الكرامات.

ثم قال لي: عظني.

قلت: اذهب، فلا ترد غيره، ولا ترد خيره، ولا تبخل بشيئه عنه.

قال: زدني.

قلت: اذهب، فلا ترد الدنيا، واتخذ الفقر غنى والبلاء من الله: شفاء، والتوكل: معاشًا، والجوع: حرفة؛ واتخذ الله لكل شدة عدة.

فصعق صعقة، فتركته في صعقته، ومضيت؛ فإذا أنا برجل نائم، فركضته برجلي؛ فقلت له: قم يا هذا، فإن الموت لم يمت.

فرفع رأسه إلي، فقال: إن ما بعد الموت أشد من الموت.

فقلت له: من أيقن بما بعد الموت: شد مئزر الحذر، ولم يكن للدنيا عنده خطر، ولم يقض منها وطرا.

* سئل الحارث بن أسد عن مقام ذكر الموت: ما هو عندك؟ مقام عارف، أو مستأنف؟

فقال: ذكر الموت أولًا: مقام المستأنف، وآخر: مقام العارف.

قيل له: بين، من أين قلت ذلك؟

قال: نعم، أما المستأنف: فهو المبتدئ، الذي يغلب على قلبه الذكر، فيترك الزلل مخافة العقاب؛ فكلما هاج ذكر الموت من قلبه: ماتت الشهوات عنده؛ وأما العارف: فذكره للموت محبة له: اختيارًا على الحياة، وتبرمًا بالدنيا التي قد سلا قلبه عنها شوقًا إلى الله ولقائه: رجاء أمل النظر إلى وجهه، والنزول في جواره: لما غلب على قلبه من حسن الظن بربه؛ كما قيل:

طال شوق الأبرار إلى الله…والله إلى لقائهم أشوق

قيل له: فكيف نعت ذكر الموت في قلب المستأنف وقلب العارف؟

قال: المستأنف، إذا حل بقلبه ذكر الموت: كرهه، وتخير البقاء: ليصلح الزاد، ويرو الشعث، ويهيئ الجهاز للعرض والقدوم على الله؛ ويكره أن يفاجئه الموت: ولم يقض نهمته في التوبة، والاجتهاد، والتمحيص؛ فهو يحب أن يلقى الله على غاية الطهارة.

وأما نعته في قلب العارف: فإنه، إذا خطر ذكر ورود الموت بقلبه: صادقت منه موافق مراده، وكره التخلف في دار العاصين، وتخير سرعة انقضاء الأجل، وقصر الأمل؛ فقيرة إليه نفسه، مشتاق إليه قلبه؛ كما روي عن حذيفة بن اليمان حين حضره الموت، قال: حبيب جاء على فاقة، لا أفلح من ندم، اللهم، إن كنت تعلم أن الموت أحب إلي من الحياة: فسهل علي الموت حتى ألقاك.

* قال الجنيد بن محمد: كنت أعود السرى في كل ثلاثة أيام، عيادة السنة؛ فدخلت عليه وهو يجود بنفسه، فجلست عند رأسه، فبكيت، وسقط من دموعي على خده؛ ففتح عينيه، ونظر إلى؛ فقلت له: أوصني؛ فقال: لا تصحب الأشرار، ولا تشتغل عن الله بمجالسة الأخيار.

* مر حكيم من الحكماء بفتية من الحلماء وهم قعود على روضة معشبة؛ فقال: يا معشر الأحياء، ما يوقفكم بمدرجة الموتى؟ قالوا: قعدنا نعتبر.

قال: فإني أعيذكم بالذي نالكم الحياة في زمن الموتى، إلا تركنوا إلى ما رفضه من أنالكم الحياة.

(10/ 142ـ143)

* قال محمد بن إسحاق: وقال رجل من عبد القيس: أين تذهبون؟ بل، أين يراد بكم؟ وحادي الموت في أثر الأنفاس حثيث موضع، وعلى احتياج الأرواح من منزل الفناء إلى دار البقاء مجمع، وفي خراب الأجساد المتفكهة بالنعيم مسرع.

* عن عبد الله بن خبيق قال: دخل الطبيب على يوسف بن أسباط وأنا عنده؛ فنظر إليه، فقال: ليس عليك بأس؛ فقال: وددت أن الذي تخاف علي كان الساعة.

* قال أبو حمزة محمد بن إبراهيم البغدادي: من استشعر الموت: حبب إليه كل باق، وبغض إليه كل فان؛ ومن استوحش من نفسه: أنس قلبه بموافقة مولاه.

* عن يحيى بن كثير قال: خطب أبو بكر الصديق، فقال: أين الوضأة الحسنة وجوههم، المعجبون بشبابهم؟ أين الذين بنوا المدائن، وحصنوها بالحيطان؟ أين الذين كانوا يعطون الغلبة في مواطن الحرب؟ تضعضع بهم الدهر، فأصبحوا في ظلمات القبور؛ الوحا الوحا، ثم النجاء النجاء.

* قال عمر بن عبد العزيز: لولا أن تكون بدعة، لحلفت أن لا أفرح من الدنيا بشيء أبدًا، حتى أعلم ما في وجوه رسل ربي إلىّ عند الموت؛ وما أحب أن يهون علي الموت، لأنه آخر ما يؤجر عليه المؤمن.

* عن محمد بن سوقة قال: زعموا أن إبراهيم النخعي كان يقول: كنا إذا حضرنا الجنازة، أو سمعنا بميت، عرف فينا أيامًا، لأنا قد عرفنا أنه قد نزل به أمر صيره إلى الجنة أو إلى النار؛ قال: وإنكم في جنائزكم تتحدثون بأحاديث دنياكم.

* عن حاتم بن سليمان الطائي قال: شهدت عبد الواحد بن زيد في جنازة حوشب، فلما دفن، قال: رحمك الله يا أبا بشر، فلقد كنت حذرًا من مثل هذا اليوم؛ رحمك الله يا أبا بشر، فلقد كنت من الموت جزعًا، أما والله لئن استطعت لأعملن رحلي بعد مصرعك هذا؛ قال: ثم شمر بعد واجتهد.

* دخل الضحاك بن قيس الكوفة يوم مات أبو إسحاق السبيعي، فرأى الجنازة وكثرة من فيها، فقال: كان هذا فيكم ربانيًا.

* عن ثابت البناني قال: كنا نتبع الجنازة، فما نرى إلا متقنعًا باكيًا، أو متقنعًا متفكرًا.

* عن نعيم بن هند قال: رأيت أبا وائل في جنازة خيثمة يبكي، واضعًا يده على رأسه، وهو يقول: واعيشاه، واعيشاه.

* قال بشر بن الحارث - وأراد الدخول إلى المقبرة: الموتى داخل السور أكثر منهم خارج السور.

* عن إبراهيم النخعي قال: كانت تكون فيهم الجنازة، فيظلون الأيام محزونين، يعرف ذلك في فيهم.

* كان عامر بن عبد الله بن الزبير يقف عند موضع الجنائز يدعوا، وعليه قطيفة، وربما سقطت عنه القطيفة، ولم يشعر بها.

* عن حفص بن غياث قال: خرجنا في جنازة، ومعنا داود الطائي، فلما صلينا عليه: وجيء بالميت ليوضع في قبره، ورفع الثوب، وبدت أكفانه، صرخ داود صرخة، خر مغشيا عليه.

* وقال أبو عبد رب لمكحول: يا أبا عبد الله، أتحب الجنة؟ قال: ومن لا يحب الجنة؟ قال: فأحب الموت، فإنك لن ترى الجنة حتى تموت.

* عن إبراهيم بن شيبان قال: سمعت إسماعيل ابن عبيد يقول: لما حضرت أبي الوفاة، جمع بنيه، وقال: يا بني عليكم بتقوى الله، وعليكم بالقرآن فتعاهدوه، وعليكم بالصدق، حتى لو قتل أحدكم قتيلًا، ثم سئل عنه، أقر به، والله ما كذبت كذبه منذ قرأت القرآن؛ يا بني، وعليكم بسلامة الصدور لعامة المسلمين، فوالله، لقد رأيتني وأنا لا أخرج من بابي، وما ألقى مسلمًا، إلا والذي في نفسي له كالذي في نفسي لنفسي؛ أفترون أني لا أحب لنفسي إلا خيرًا.

* عن عبد الرحمن بن مهدي قال: مات سفيان الثوري عندي، فلما اشتد به، جعل يبكي؛ فقال له رجل: يا أبا عبد الله، أراك كثير الذنوب، فرفع شيئًا من الأرض، فقال: والله لذنوبي أهون عندي من ذا، إني أخاف أن أسلب الإيمان قبل أن أموت.

* عن ميمون بن مهران قال: بعث الحجاج بن يوسف إلى الحسن، وقد هم به، فلما دخل عليه، فقام بين يديه، فقال: يا حجاج، كم بينك وبين آدم من أب؟ قال: كثير، قال: فأين هم؟ قال: ماتوا، قال: فنكس الحجاج رأسه وخرج الحسن.

* عن عبد الرحمن بن عمر قال: سمعت عبد الرحمن بن مهدي، وسئل عن الرجل يتمنى الموت، قال: ما أرى بذلك بأسًا، إذ يتمنى الموت الرجل، مخافة الفتنة على دينه؛ ولكن، لا يتمنى الموت من ضربه، أو فاقة، أو شيء مثل هذا؛ ثم قال عبد الرحمن: تمنى الموت أبو بكر، وعمر، ومن دونهما؛ وسمعته ونحن مقبلون من جنازة عبد الوهاب، فقال: إني لأشم ريح فتنة، إني لأدعو الله أن يسبقني بها؛ وسمعته يقول: كان لي أخوان، فماتوا، ودفع عنهم شر ما نرى، وبقينا بعدهم، وما بقي لي أخ، إلا هذا الرجل: يحيى بن سعيد، وما يغبط اليوم إلا مؤمن في قبره.

* عن إسحاق قال: سمعت سلمة الغويطي يقول: إني لمشتاق إلى الموت منذ أربعين سنة، منذ فارقت الحسن بن يحيى؛ قلت له: ولم؟ قال: لو لم يشتق العاقل إلى لقائه عز وجل، لكان ينبغي له أن يشتاق إلى الموت؛ قال: فحدثت به أبا سليمان، فقال: ويحك، لو أعلم أن الأمر كما يقول، لأحببت أن تخرج نفسي الساعة، ولكن، كيف بانقطاع الطاعة، والحبس في البرزخ؟ وإنما يلقاه بعد البعث. قال احمد: فهو في الدنيا أحرى أن يلقاه، يعني بالذكر.

* عن وهب بن منبه يقول: كان ملك من ملوك الأرض أراد أن يركب إلى أرض، فدعا بثياب يلبسها، فجيء بثياب، فلم تعجبه؛ فقال: ائتوني بثياب كذا وكذا، حتى عد أصنافا من الثياب، كل ذلك لا يعجبه، حتى جيء بثياب وافقته، فلبسها؛ ثم قال: جيئوني بدابة كذا، فجيء بها، فلم تعجبه، ثم قال: جيئوني بدابة كذا، فجيء بها، فلم تعجبه، حتى جيء بدابة وافقته، فركبها؛ فلما ركبها، جاء إبليس، فنفخ في منخره نفخة، فعلاه كبرًا؛ قال: وسار، وسارت الخيول معه، قال: فهو رافع رأسه، لا ينظر إلى الناس كبرًا وعظمًا؛ فجاءه رجل ضعيف، رث الهيئة، فسلم عليه، فلم يرد عليه السلام، ولم ينظر اليه؛ فقال له: إنه لي إليك حاجة؛ فلم يسمع كلامه؛ قال: فجاء، حتى أخذ بلجام دابته؛ فقال: أرسل لجام دابتي، فقد تعاطيت مني أمرًا لم يتعاطه مني أحد؛ قال: إن لي إليك حاجة، قال أنزل فتلقاني؛ قال: لا، الآن؛ قال: فقهره على لجام دابته، فلما رأى أنه قد قهره، قال: حاجتك؛ قال: إنها سر، أريد أن أسرها إليك؛ قال: فأدنى رأسه إليه، فساره، قال: أنا ملك الموت؛ قال: فانقطع، وتغير لونه، واضطرب لسانه؛ ثم قال: دعني حتى آتي أرضي هذه التي خرجت إليها، وأرجع من موكبي، ثم تمضي في التابعين؛ قال: والله لا ترى أرضك أبدًا، ولا والله، لا ترجع من موكبك هذا أبدًا؛ قال: دعني حتى أرجع إلى أهلي، فأقضي حاجة إن كانت؛ قال: لا والله، لا ترى أهلك وثقلك أبدًا. قال: فقبض روحه مكانه، فخر كأنه خشبة؛ قال الجريري: وبلغني أيضًا: أنه لقي عبدًا مؤمنًا في تلك، فسلم عليه، فرد عليه السلام؛ فقال: إن لي إليك حاجة، قال: هلم فاذكر حاجتك؛ قال: إنها سر فيما بيني وبينك، قال: فأدنى إليه رأسه ليساره بحاجته، فساره، فقال: أنا ملك الموت؛ قال: مرحبًا وأهلًا، مرحبًا بمن طالت غيبته علي، فوالله، ما كان في الأرض غائب أحب إلي أن ألقاه منك؛ قال: فقال له ملك الموت: إقض حاجتك التي خرجت لها، قال: ما لي حاجة أكبر عندي ولا أحب إلي من لقاء الله؛ قال: فاختر على أي شيء أقبض روحك؛ قال: وتقدر على ذلك؛ قال: نعم، أمرت بذلك؛ قال: نعم إذًا، فقام وتوضأ، ثم ركع وسجد، فلما رآه ساجدًا، قبض روحه.

* عن الحسن البصري قال: فضح الموت الدنيا، فلم يترك فيها لذي لب فرحًا.

* عن قتادة قال: كان العلاء بن زياد العدوي يقول: لينزل أحدكم نفسه، أنه قد حضره الموت، فاستقال ربه تعالى نفسه، فأقاله؛ فليعمل بطاعة الله عز وجل.

* عن عبد الأعلى قال: شيئان قطعا عني لذاذة الدنيا: ذكر الموت، والوقوف بين يدي الله عز وجل.

* عن عبد الله بن المفضل التميمي قال: آخر خطبة خطبها عمر بن عبد العزيز: أن صعد المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه؛ ثم قال: أما بعد: فإن ما في أيديكم: أسلاب الهالكين، وسيتركها الباقون: كما تركها الماضون؛ ألا ترون أنكم في كل يوم وليلة: تشيعون غاديًا أو رائحًا إلى الله تعالى؟ وتضعونه في صدع من الأرض، ثم في بطن الصدع، غير ممهد ولا موسد؛ قد خلع الأسلاب، وفارق الأحباب، وأسكن التراب، وواجه الحساب؛ فقير إلى ما قدم أمامه، غني عما ترك بعده.

* كان سفيان الثوري إذا ذكر الموت: لا ينتفع به أيامًا؛ فإذا سئل عن الشيء، قال: لا أدري، لا أدرى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت