فكأنه قال: أيقولن ، والنظائر فيه كثيرة جدًّا.
ومن ذلك قراءة ابن مسعود:"إِلَى الْفِتْنَةِ رُكِّسُوا فِيهَا"1 مثقل بغير ألف.
قال أبو الفتح: وجه ذلك أنه شيء بعد شيء ؛ وذلك لأنهم جماعة ، فلما كانوا كذلك وقع شيء منه بعد شيء فطال ، فلاق به لفظ التكثير والتكرير ، كقولك: غلَّقتُ الأبواب ، وقطَّعتُ الحبال ، وقد يكون معنى التكرير مع لفظ التخفيف ، أنشد أبو الحسن:
أنت الفداء لقبلة هدَّمْتَها ونَقَرتها بيديك كلَّ مُنَقَّر
فصار"ونقرتها"كأنه قال: ونقَّرتها ، يدل عليه مصدره الذي هو"مُنَقَّر". وهذا ونحوه مما يدل على اشتمال لفظ الأفعال على معاني الأجناس ، حتى إن اللفظة الواحدة تصلح لكثيره صلاحها لقليله.
ومن ذلك قراءة الزهري فيما رواه عنه الوقاصي:"إلا خَطًا"2 مقصورًا خفيفًا بغير همز.
قال أبو الفتح: أصله خطأً بوزن خَطَعًا كقراءة العامة ، غير أنه حذف الهمزة حذفًا على ما حكيناه عنهم من قولهم: جَا يجَى ، وسَا يسُو. وهذا ضعيف عند أصحابنا وإن كان قد جاء منه حروف صالحة ، إلا أنه ليس تخفيفًا قياسيًّا ؛ وإنما هو حذف وخبط للهمزة ألبتة ، وقد ذكرناه فيما قبل. ويجوز أن يكون أبدل الهمزة إبدالًا على حد قَرَبْتُ ، فجرى مجرى عصا ومطا.
ومن ذلك قراءة إبراهيم:"إِنَّ الَّذِينَ تُوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ"3.
قال أبو الفتح: معنى هذا كقولك: إن الذين يُعَدُّون على الملائكة يُرَدُّون إليهم يحتسبون عليهم ، فهو نحو من قولك: إن المال الذي تُوفَّاه أَمَةُ الله ؛ أي: يُدفع إليها ويحتسب عليها ، كأن كل ملَك جُعل إليه قبض نفس بعض الناس ، ثم مُكن من ذلك ووفيه ، أو كأن ذلك في بعض الملائكة ، فجرى اللفظ على الجميع ، والمراد البعض على ما مضى في هذا الكتاب.
1 سورة النساء: 91.
2 سورة النساء: 92.
3 سورة النساء: 97.