قَوْلُهُ تَعَالَى: (فِي الْأَرْضِ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ جَرٍّ صِفَةٌ لِدَابَّةٍ، وَفِي مَوْضِعِ رَفْعِ صِفَةٍ لَهَا أَيْضًا عَلَى الْمَوْضِعِ؛ لِأَنَّ مِنْ زَائِدَةٌ. (وَلَا طَائِرٍ) : مَعْطُوفٌ عَلَى لَفْظِ دَابَّةٍ، وَقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلَى الْمَوْضِعِ. (بِجَنَاحَيْهِ) : يَجُوزُ أَنْ تَتَعَلَّقَ الْبَاءُ بِيَطِيرُ، وَأَنْ تَكُونَ حَالًا، وَهُوَ تَوْكِيدٌ، وَفِيهِ رَفْعُ مَجَازٍ؛ لِأَنَّ غَيْرَ الطَّائِرِ قَدْ يُقَالُ فِيهِ طَارَ إِذَا أَسْرَعَ. (مِنْ شَيْءٍ) : «مِنْ» زَائِدَةٌ؛ «وَشَيْءٌ» هُنَا وَاقِعٌ مَوْقِعَ الْمَصْدَرِ؛ أَيْ: تَفْرِيطًا، وَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ لَا يَبْقَى فِي الْآيَةِ حُجَّةٌ لِمَنْ ظَنَّ أَنَّ الْكِتَابَ يَحْتَوِي عَلَى ذِكْرِ كُلِّ شَيْءٍ صَرِيحًا.
وَنَظِيرُ ذَلِكَ (لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا) : أَيْ ضَرَرًا وَقَدْ ذَكَرْنَا لَهُ نَظَائِرَ.
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «شَيْئًا» مَفْعُولًا بِهِ؛ لِأَنَّ فَرَّطْنَا لَا تَتَعَدَّى بِنَفْسِهَا بَلْ بِحَرْفِ الْجَرِّ، وَقَدْ عُدِّيَتْ بِفِي إِلَى الْكِتَابِ فَلَا تَتَعَدَّى بِحَرْفٍ آخَرَ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى مَا تَرَكْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى عَلَى خِلَافِهِ؛ فَبَانَ أَنَّ التَّأْوِيلَ مَا ذَكَرْنَا.
قَالَ تَعَالَى: (وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (39) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالَّذِينَ كَذَّبُوا) : مُبْتَدَأٌ، وَ (صُمٌّ وَبُكْمٌ) : الْخَبَرُ، مِثْلُ: حُلْوٌ حَامِضٌ، وَالْوَاوُ لَا تَمْنَعُ ذَلِكَ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «صُمٌّ» خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: بَعْضُهُمْ صُمٌّ، وَبَعْضُهُمْ بُكْمٌ.
(فِي الظُّلُمَاتِ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا ثَانِيًا، وَأَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ الْمُقَدَّرِ فِي الْخَبَرِ، وَالتَّقْدِيرُ: ضَالُّونَ فِي الظُّلُمَاتِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي الظُّلُمَاتِ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ: هُمْ فِي الظُّلُمَاتِ.