قَالَ تَعَالَى: (وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَأِ الْمُرْسَلِينَ) (34) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنْ قَبْلِكَ) : لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِرُسُلٍ؛ لِأَنَّهُ زَمَانٌ؛ وَالْجَنَّةُ لَا تُوصَفُ بِالزَّمَانِ، وَإِنَّمَا هِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِكُذِّبَتْ. (وَأُوذُوا) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى كُذِّبُوا، فَتَكُونُ «حَتَّى» مُتَعَلِّقَةً بِصَبَرُوا.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْوَقْفُ تَمَّ عَلَى كُذِّبُوا، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ، فَقَالَ: وَأُوذُوا، فَتَتَعَلَّقُ حَتَّى بِهِ، وَالْأَوَّلُ أَقْوَى.(
وَلَقَدْ جَاءَكَ): فَاعِلُ جَاءَكَ مُضْمَرٌ فِيهِ. قِيلَ: الْمُضْمَرُ الْمَجِيءُ، وَقِيلَ: الْمُضْمَرُ النَّبَأُ، وَدَلَّ عَلَيْهِ ذِكْرُ الرُّسُلِ؛ لِأَنَّ مِنْ ضَرُورَةِ الرَّسُولِ الرِّسَالَةَ، وَهِيَ نَبَأٌ، وَعَلَى كِلَا الْوَجْهَيْنِ يَكُونُ «مِنْ نَبَأِ الْمُرْسَلِينَ» حَالًا مِنْ ضَمِيرِ الْفَاعِلِ، وَالتَّقْدِيرُ: مِنْ جِنْسِ نَبَأِ الْمُرْسَلِينَ.
وَأَجَازَ الْأَخْفَشُ أَنْ تَكُونَ مِنْ زَائِدَةً، وَالْفَاعِلُ نَبَأُ الْمُرْسَلِينَ، وَسِيبَوَيْهِ لَا يُجِيزُ زِيَادَتَهَا فِي الْوَاجِبِ، وَلَا يَجُوزُ عِنْدَ الْجَمِيعِ أَنْ تَكُونَ مِنْ صِفَةٍ لِمَحْذُوفٍ؛ لِأَنَّ الْفَاعِلَ لَا يُحْذَفُ وَحَرْفُ الْجَرِّ إِذَا لَمْ يَكُنْ زَائِدًا لَمْ يَصِحَّ أَنْ يَكُونَ فَاعِلًا؛ لِأَنَّ حَرْفَ الْجَرِّ يُعَدِّي، وَكُلُّ فِعْلٍ يَعْمَلُ فِي الْفَاعِلِ بِغَيْرِ مُعَدٍّ، وَ (نَبَأِ الْمُرْسَلِينَ) : بِمَعْنَى إِنْبَائِهِمْ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: (نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ) [هُودٍ: 120] .
قَالَ تَعَالَى: (وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ) (35) .