قالَ: (لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) ولما قالَ في الآيةِ الثانيةِ: (وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ)
والمعنى: اذكُرْ لو هلكتَ فصارَ ولدُك يتيمًا ، واذكُرْ عند ورثتِكَ ، لو كنتَ
الموروثَ لهُ ، واذكُرْ كيفَ تحبُّ العدلَ لكَ في القولِ ؛ فاعدِلْ في حقِّ غيرِكَ.
وكما لا تؤثرُ أن يخانَ عهدُك فلا تخن ، فلاقَ بهذهِ الأشياءٍ التذكرُ فقالَ:
(لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) وقالَ في الثالثةِ: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمَا) .
فلاقَ بذلكَ اتقاءُ الزللِ ، فلذلك قال: (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) .
قوله تعالى: (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ(160)
وقد دلَّ حديثُ أبي سعيدٍ وحديثُ أبي هريرةَ المذكورانِ على أنَّ
مضاعفةَ حسناتِ المسلم بحسبِ حسنِ إسلامِهِ.
وخرَّج ابنُ أبي حازم ، من روايةِ عطيةَ العوفيِّ ، عن ابنِ عمر ، قال:
نزلتْ: (مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا) ، في الأعراب ، فقال له
رجل: يا أبا عبدِ الرحمنِ ، فما للمهاجرينَ ؟
قال: ما هو أكثرُ ، ثم تلا قولَه:
(وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا) .
ويشهدُ لهذا المعنى: ما ذكره اللَّهُ عزَّ وجل في حقِّ أزواج نبيَه - صلى الله عليه وسلم - ، فقال: (يَا نِسَاءَ النَّبِي مَن يَأتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مبَيِّنَةٍ) إلى قوله: (وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا(31) يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ).
فدلَّ على أنَّ من عظُمَتْ منزلَتُه عندَ اللَّهِ ، فإن عملَه يضاعفُ له أجرةُ.