أَعاذِلَ، مَا يُدريكِ أَنَّ مَنِيَّتي ... إِلَى ساعةٍ فِي الْيَوْمِ، أَو فِي ضُحى الغَدِ؟
والتقدير على هذا: لعلها إذا جاءت لا يؤمنون.: قال الفراء تكون (لا) صلة. نحو قوله تعالى: (مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ) .
وكقوله تعالى: (وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ) . وقال الأخفش التقدير:
وما يشعركم بأنها إذا جاءت يؤمنون، فجعل (لا) زأندة، وجعل (أن) في موضع نصب على حذف الجر.
قوله تعالى: (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ(117)
يقال: لِمَ جاز في صفة القديم تعالى (أعلم) مع أنه لا يخلو أن يكون (أعلم) بالمعنى ممن يعلمه أو ممن
لا يعلمه وكلاهما لا يصح فيه (أفعل) ؟
والجواب أن المعنى: هو أعلم به ممن يعلمه. لأنه يعلمه من وجوه تخفى على غيره، وذلك أنه يعلم ما
يكون منه وما كان وما هو كائن من وجوه لا تحصى.
وأما موضع (مَن) من الإعراب:
فقال بعض البصريين: موضعها نصب على حذف (الباء) حتى يكون مقابلا لقوله (وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) .
وقال الفراء والزجاج: موضعها رفع؛ لأنَّها بمعنى (أي) كقوله تعالى: (أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى) وهذه المسألة فيها خلاف. وسأشرحها في موضعها إن شاء الله.
قال أبو علي: (مَن) في موضع نصب بفعل مضمر يدل عليه (أعلم) ، كأنه قال: إن ربَّك أعلم
يعلم من يضل عن سبيله.
وزعم قوم أن (أعلم) بمعنى (يعلم) ، وهذا فاسد ولا يجوز أن يكون (مَن) في موضع جر بإضافة
(أعلم) ؛ لأنَّ (أفعل) لا يضاف إلا إلى ما هو بعضه، وليس ربنا تعالى بعض الضالين، ولا بعض
المضلين فامتنع ذلك لذلك.
قوله تعالى: (النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ)
المثوى: موضع الثواء، والثواء الإقامة، قال الله تعالى: (وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ) ، قال الأعشى
لقد كانَ في حَوْلٍ ثَواءٍ ثَوَيْتُه ... تَقَضِّي لُباناتٍ وَيَسْأَمُ سائِمُ