قوله تعالى: (إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ) - والله أعلم - في استشعار نفعهم بهذه الحجة وهي غير نافعة لهم، وكيف ينفعهم، وهو يقول على إثرها: (قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ(149 ) ) ، فهذا يبين - بلا إشكال - أن وجه إنكار مقالتهم عند احتجاجهم به لا نفس القول.
قال محمد بن علي: وبلية القوم إضاعة النصح لدين الله، واتخاذ كل
ما احتمله ظاهر الكلام دينا، ولا يحفلون بتناقضه عليهم، ولا يعرفون مع ذلك سعة لسان العرب وتصاريف الكلام وتعارضه، إذ في الكلام ما يحتمل وجوها مستعملة كلها، وفيه ما يحتمل وجهين لا يجوز استعمال أحدهما، وفيه ما لا يجوز استعمال ظاهره بتة.
وفي التعارض ما يتوجه اختلافه، وفيه ما لا يتوجه إلا بنسخ.
فما يحتمل وجوها مستعملة كلها كثير يطول الكتاب بشرحه، وليس
على القوم فيه حجة، وما يحتمل وجهين لا يجوز إلا استعمال أحدهما: قوله جل وعلا في هذه السورة (وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ) وفي بني إسرائيل: (خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ) فظاهر الكلام دال على أن الولد المنهي عن قتله هو المخشي ببقائه الإملاق، ومن لم يخش ببقائه الإملاق مباح قتله.
فلم يجز استعمال هذا المعنى بحيلة، وإن احتمله، وكان اتباع ما يدل
على منع قتل الأولاد جميعا، من خشي الإملاق منهم ومن لم يخش، من قوله على إثر الكلام: (وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ)
أولى لدخول الأولاد جميعا مع الأجنبيين تحته، وإنما كانت الجاهلية تقتل أولادها خشية كثرة العيلة، ودخول الفقر عليهم إذا كثروا، فأنزل الله تبارك وتعالى: (وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ)
وما لا يجوز استعماله بتة: