وقال آخرون: إن موضع التحريم هو فيما أهل لغير الله به، والآخر على أصل الحل، ويدل على ذلك القصر في التحريم في قوله تعالى: (قُل لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا ... ) . وبقصر النهي في قوله تعالى: (وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ. . .) ، على حال ما إذا ذكر غيره وما كان قبل النهي وبعده يزكي تفسيره بذلك، وسنبين ذلك عند الكلام في هذه الآية إن شاء الله تعالى.
(وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ) .
الْمُنْخَنِقَةُ: هي التي تموت بخنق إما باختناقها من وثاقها، أو يخنقها غيرها ويتركها حتى تموت.
والموقوذة: هي التي وقذت بحجر، أو تضرب بعصا حتى تموت من غير تذكية شرعية، فالوقذ الرمي، والضرب الشديد. . وما يرمى بالسهم، فيموت أيعد موقوذا أم لَا يعد؟ روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"إذا رميت بالمعراض (السهم الذي قد يصيب بعرضه لَا بحده) فخزق فكُلْهُ وإن أصابه بعرضه فلا تأكله، فإنه وقيذ"ومؤدى الحديث أن السهم إن اخترق الجسم وأسال الدم يؤكل الضروب وإلا فإنه لَا يؤكل، فالعبرة إذن بإسالة الدم، فإن أساله أكله، وإلا فلا يؤكل.
والمتردية: هي التي تموت بسبب سقوطها من مكان مرتفع في مكان منخفض، كالتي تسقط من جبل في هاوية، أو تسقط في بئر فتموت.
والنطيحة: هي الحيوان الذي يموت من نطح أو اصطدام، فهي فعيلة بمعنى مفعولة، كذبيحة بمعنى مذبوحة، وقد كان العرب يأكلون كل هذه الأصناف الأربعة، فجاء الإسلام وحرمها، والحقيقة أنها من نوع الميتة؛ لأنها تموت ودمها محبوس فيها لم يخرج منها، ويصح أن تدخل في عموم الميتة؛ ولذلك جاء الاقتصار على ذكر الميتة في قوله تعالى:
(قُل لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمهُ. . .) ، وهي بلا شك داخلة في عموم كلمة الميتة.