فَإِنْ قِيلَ: هَذَا مُخَالِفٌ لِمَا عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ ، أَمَّا أَوَّلًا: فَإِنَّ السُّنَّةَ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ قَاضِيَةٌ عَلَى الْكِتَابِ ، وَلَيْسَ الْكِتَابُ بِقَاضٍ عَلَى السُّنَّةِ ; لِأَنَّ الْكِتَابَ يَكُونُ مُحْتَمِلًا لِأَمْرَيْنِ فَأَكْثَرَ ، فَتَأْتِي السُّنَّةُ بِتَعْيِينِ أَحَدِهِمَا ، فَيُرْجَعُ إِلَى السُّنَّةِ ، وَيُتْرَكُ مُقْتَضَى الْكِتَابِ ، وَأَيْضًا فَقَدْ يَكُونُ ظَاهِرُ الْكِتَابِ أَمْرًا ، فَتَأْتِي السُّنَّةُ فَتُخْرِجُهُ عَنْ ظَاهِرِهِ ، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى تَقْدِيمِ السُّنَّةِ ، وَحَسْبُكَ أَنَّهَا تُقَيِّدُ مُطْلَقَهُ ، وَتَخُصُّ عُمُومَهُ ، وَتَحْمِلُهُ عَلَى غَيْرِ ظَاهِرِهِ ، حَسْبَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي الْأُصُولِ ; فَالْقُرْآنُ آتٍ بِقَطْعِ يَدِ كُلِّ سَارِقٍ فَخَصَّتِ السُّنَّةُ مِنْ ذَلِكَ سَارِقَ النِّصَابِ الْمُحَرَّزِ ، وَأَتَى بِأَخْذِ الزَّكَاةِ مِنْ جَمِيعِ الْأَمْوَالِ ظَاهِرًا ; فَخَصَّتْهُ السُّنَّةُ بِأَمْوَالٍ مَخْصُوصَةٍ ، وَقَالَ تَعَالَى: وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ (4: 24) فَأَخْرَجَتْ مِنْ ذَلِكَ نِكَاحَ الْمَرْأَةِ عَلَى عَمَّتِهَا أَوْ خَالَتِهَا . فَكُلُّ هَذَا تَرْكٌ لِظَوَاهِرِ الْكِتَابِ ، وَتَقْدِيمٌ لِلسُّنَّةِ عَلَيْهِ ، وَمِثْلُ ذَلِكَ لَا يُحْصَى كَثْرَةً .
"وَأَمَا ثَانِيًا: فَإِنَّ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ إِذَا تَعَارَضَا ، فَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْأُصُولِ هَلْ يُقَدَّمُ"