يَعْنِي بِقَوْلِهِ: {وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ} وَأَنْ تَطْلُبُوا عِلْمَ مَا قُسِمَ لَكُمْ أَوْ لَمْ يُقْسَمْ , بِالْأَزْلَامِ. وَهُوَ اسْتَفْعَلْتُ مِنَ الْقَسْمِ: قَسْمِ الرِّزْقِ وَالْحَاجَاتِ. وَذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ كَانَ أَحَدُهُمْ إِذَا أَرَادَ سَفَرًا أَوْ غَزْوًا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ , أَجَالَ الْقِدَاحَ , وَهِيَ الْأَزْلَامُ , وَكَانَتْ قِدَاحًا مَكْتُوبًا عَلَى بَعْضِهَا: نَهَانِي رَبِّي , وَعَلَى بَعْضِهَا: أَمَرَنِي رَبِّي , فَإِنْ خَرَجَ الْقَدَحُ الَّذِي هُوَ مَكْتُوبٌ عَلَيْهِ: أَمَرَنِي رَبِّي , مَضَى لِمَا أَرَادَ مِنْ سَفَرٍ أَوْ غَزْو أَوْ تَزْوِيجٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ؛ وَإِنْ خَرَجَ الَّذِي عَلَيْهِ مَكْتُوبٌ: نَهَانِي رَبِّي , كَفَّ عَنِ الْمُضِيِّ لِذَلِكَ وَأَمْسَكَ فَقِيلَ: {وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ} لِأَنَّهُمْ بِفِعْلِهِمْ ذَلِكَ كَانُوا كَأَنَّهُمْ يَسْأَلُونَ أَزْلَامَهُمْ أَنْ يَقْسِمْنَ لَهُمْ. وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ مُفْتَخِرًا بِتَرْكِ الِاسْتِقْسَامِ بِهَا:
[البحر الوافر]
وَلَمْ أَقْسِمْ فَتَرْبُثَنِي الْقُسُومُ
وَأَمَّا الْأَزْلَامُ , فَإِنَّ وَاحِدَهَا زَلَمٌ , وَيُقَالَ زُلَمٌ , وَهِيَ الْقِدَاحُ الَّتِي وَصَفْنَا أَمْرَهَا
عَنْ قَتَادَةَ , فِي قَوْلِهِ: {وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ} قَالَ:"كَانَ الرَّجُلُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ مُسَافِرًا , كَتَبَ فِي قِدَاحٍ: هَذَا يَأْمُرُنِي بِالْمُكْثِ , وَهَذَا يَأْمُرُنِي بِالْخُرُوجِ , وَجَعَلَ مَعَهَا مَنِيحًا , شَيْءٌ لَمْ يَكْتُبْ فِيهِ شَيْئًا , ثُمَّ اسْتَقْسَمَ بِهَا حِينَ يُرِيدُ أَنْ يَخْرُجَ , فَإِنْ خَرَجَ الَّذِي يَأْمُرُ بِالْمُكْثِ مَكَثَ , وَإِنْ خَرَجَ الَّذِي يَأْمُرُ بِالْخُرُوجِ خَرَجَ , وَإِنْ خَرَجَ الْآخَرُ أَجَالَهَا ثَانِيَةً حَتَّى يَخْرُجَ أَحَدُ الْقَدَحَيْنِ"