وَأَمَّا قَوْلُهُ: {أَوْفُوا} فَإِنَّ لِلْعَرَبِ فِيهِ لُغَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا: أَوْفُوا , مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: أَوْفَيْتُ لِفُلَانٍ بِعَهْدِهِ أُوفِي لَهُ بِهِ؛ وَالْأُخْرَى مِنْ قَوْلِهِمْ: وَفَّيْتُ لَهُ بِعَهْدِهِ أَفِي. وَالِإِيفَاءُ بِالْعَهْدِ: إِتْمَامُهُ عَلَى مَا عُقِدَ عَلَيْهِ مِنْ شُرُوطِهِ الْجَائِزَةِ""
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ}
اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ عَزَّ ذِكْرُهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهُ أَحَلَّهَا لَنَا , فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ الْأَنْعَامُ كُلُّهَا""
عَنِ الْحَسَنِ , قَالَ: بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ: هِيَ الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ""
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ عَنَى بِقَوْلِهِ: {أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ} أَجِنَّةُ الْأَنْعَامِ الَّتِي تُوجَدُ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِهَا إِذَا نُحِرَتْ أَوْ ذُبِحَتْ مَيْتَةً
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ بَقَرَةً , نُحِرَتْ , فَوُجَدَ فِي بَطْنِهَا جَنِينٌ , فَأَخَذَ ابْنُ عَبَّاسٍ بِذَنَبِ الْجَنِينِ , فَقَالَ: هَذَا مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ الَّتِي أُحِلَّتْ لَكُمْ""
وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ قَوْلُ مَنْ قَالَ: عَنَى بِقَوْلِهِ: {أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ} الْأَنْعَامَ كُلَّهَا , أَجِنَّتَهَا وَسِخَالَهَا وَكِبَارَهَا , لِأَنَّ الْعَرَبَ لَا تَمْتَنِعُ مِنْ تَسْمِيَةِ جَمِيعِ ذَلِكَ بَهِيمَةً وَبَهَائِمَ , وَلَمْ يُخَصِّصِ اللَّهُ مِنْهَا شَيْئًا دُونَ شَيْءٍ , فَذَلِكَ عَلَى عُمُومِهِ وَظَاهِرِهِ حَتَّى تَأْتِيَ حُجَّةٌ بِخُصُوصِهِ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهَا.
وَأَمَّا النَّعَمُ فَإِنَّهَا عِنْدَ الْعَرَبِ: اسْمٌ لِلْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ خَاصَّةً , كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} ثُمَّ قَالَ: {وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً} فَفَصَلَ جِنْسَ النَّعَمِ مِنْ غَيْرِهَا مِنْ أَجْنَاسِ الْحَيَوَانِ.
وَأَمَّا بَهَائِمُهَا فَإِنَّهَا أَوْلَادُهَا.