وَذَلِكَ إِذَا وَاثَقَهُ عَلَى أَمْرٍ , وَعَاهَدَهُ عَلَيْهِ عَهْدًا بِالْوَفَاءِ لَهُ بِمَا عَاقَدَهُ عَلَيْهِ , مِنْ أَمَانٍ وَذِمَّةٍ , أَوْ نُصْرَةٍ , أَوْ نِكَاحٍ , أَوْ بَيْعٍ , أَوْ شَرِكَةٍ , أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْعُقُودِ""
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ هِيَ الْحِلْفُ الَّتِي أَخَذَ اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ بِالْإِيمَانِ بِهِ وَطَاعَتِهِ فِيمَا أَحَلَّ لَهُمْ وَحَرَّمَ عَلَيْهِمْ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ هِيَ الْعُقُودُ الَّتِي يَتَعَاقَدُهَا النَّاسُ بَيْنَهُمْ وَيَعْقِدُهَا الْمَرْءُ عَلَى نَفْسِهِ.
قَالَ ابْنُ زَيْدٍ:"عَقْدُ الْعَهْدِ وَعَقْدُ الْيَمِينِ , وَعَقْدُ الْحَلِفِ , وَعَقْدُ الشَّرِكَةِ , وَعَقْدُ النِّكَاحِ. قَالَ: هَذِهِ الْعُقُودُ خَمْسٌ"
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ هَذِهِ الْآيَةُ أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِأَهْلِ الْكِتَابِ بِالْوَفَاءِ بِمَا أَخَذَ بِهِ مِيثَاقَهُمْ مِنَ الْعَمَلِ بِمَا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ فِي تَصْدِيقِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ.
وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا بِالصَّوَابِ مَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ , وَأَنَّ مَعْنَاهُ: أَوْفُوا يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا بِعُقُودِ اللَّهِ الَّتِي أَوْجَبَهَا عَلَيْكُمْ وَعَقَدَهَا , فِيمَا أَحَلَّ لَكُمْ وَحَرَّمَ عَلَيْكُمْ , وَأَلْزَمَكُمْ فَرْضَهُ , وَبَيَّنَ لَكُمْ حُدُودَهُ""
وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ مِنْ غَيْرِهِ مِنَ الْأَقْوَالِ , لِأَنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَزَّ أَتْبَعَ ذَلِكَ الْبَيَانَ عَمَّا أَحَلَّ لِعِبَادِهِ وَحَرَّمَ عَلَيْهِمْ وَمَا أَوْجَبَ عَلَيْهِمْ مِنْ فَرَائِضِهِ , فَكَانَ مَعْلُومًا بِذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ: {أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} أَمْرٌ مِنْهُ عِبَادَهُ بِالْعَمَلِ بِمَا أَلْزَمَهُمْ مِنْ فَرَائِضِهِ وَعُقُودِهِ عُقَيْبَ ذَلِكَ , وَنَهْي مِنْهُ لَهُمْ عَنْ نَقْضِ مَا عَقَدَهُ عَلَيْهِمْ مِنْهُ , مَعَ أَنَّ قَوْلَهُ: {أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} أَمْرٌ مِنْهُ بِالْوَفَاءِ بِكُلِّ عَقْدٍ أَذِنَ فِيهِ , فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُخَصَّ مِنْهُ شَيْءٌ حَتَّى تَقُومَ حُجَّةٌ بِخُصُوصِ شَيْءٍ مِنْهُ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهَا. فَإِذْ كَانَ الْأَمْرُ فِي ذَلِكَ كَمَا وَصَفْنَا , فَلَا مَعْنَى لِقَوْلِ مَنْ وَجَّهُ ذَلِكَ إِلَى مَعْنَى الْأَمْرِ بِالْوَفَاءِ بِبَعْضِ الْعُقُودِ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِالْوَفَاءِ بِهَا دُونَ بَعْضٍ""