الشأن في العطف التناسب بين المتعاطفات ، فلا جرم أنّ هذا المعطوف من نوع المتعاطفات التي قبله ، وهي المحرّم أكلها.
فالمراد هنا النهي عن أكل اللحم الذي يستقسمون عليه بالأزلام ، وهو لحم جزور الميسر لأنّه حاصل بالمقامرة ، فتكون السين والتاء في {تستقسموا} مزيدتين كما هما في قولهم: استجاب واستراب.
والمعنى: وأن تقسموا اللحم بالأزلام.
ومن الاستقسام بالأزلام ضرب آخر كانوا يفعلونه في الجاهلية يتطلّبون به معرفة عاقبة فعل يريدون فعله: هل هي النجاح والنفع أو هي خيبة وضرّ؟.
وإذ قد كان لفظ الاستقسام يشمله فالوجه أن يكون مراداً من النهي أيضاً ، على قاعدة استعمال المشترك في معنييه ، فتكون إرادته إدماجاً وتكون السين والتاء للطلب ، أي طلب القِسم.
وطلب القِسم بالكسر أي الحظّ من خير أو ضدّه ، أي طلب معرفته.
كان العرب ، كغيرهم من المعاصرين ، مولَعين بمعرفة الاطِّلاع على ما سيقع من أحوالهم أو على ما خفي من الأمور المكتومة ، وكانوا يتوهّمون بأنّ الأصنام والجنّ يعلمون تلك المغيّبات فسوّلت سدنة الأصنام لهم طريقة يُموّهون عليهم بها فجعلوا أزلاماً.
والأزلام جمع زَلَم بفتحتين ويقال له: قدح بكسر القاف وسكون الدال وهو عود سهم لا حديدة فيه.
وكيفية استقسام الميسر: المقامرة على أجزاء جزور ينحرونه ويتقامرون على أجزائه ، وتلك عشرة سهام تقدّم الكلام عليها عند قوله تعالى: {يسألونك عن الخمر والميسر} الآية في سورة البقرة (219) .
وكان مقتضى الظاهر أن يقال: وما استقسمتم عليه بالأزلام ، فغيّر الأسلوب وعُدل إلى وأن تستقسموا بالأزلام ، ليكون أشمل للنهي عن طريقتي الاستقسام كلتيهما ، وذلك إدماج بديع.
وأشهر صور الاستقسام ثلاثة قداح: أحدها مكتوب عليه"أمرني ربّي"، وربما كتبوا عليه"افْعَلْ"ويسمّونه الآمر.
والآخرُ: مكتوب عليه"نَهاني ربّي"، أو"لا تَفْعَلْ"ويسمّونه الناهي.