إذا عرفت هذا الأصل فنقول: الاستثناء المذكور في قوله {إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ} فيه أقوال: الأول: أنه استثناء من جميع ما تقدم من قوله {والمنخنقة} إلى قوله {وَمَا أَكَلَ السبع} وهو قول علي وابن عباس والحسن وقتادة، فعلى هذا أنك إن أدركت ذكاته بأن وجدت له عيناً تطرف أو ذنباً يتحرك أو رجلاً تركض فاذبح فإنه حلال، فإنه لولا بقاء الحياة فيه لما حصلت هذه الأحوال، فلما وجدتها مع هذه الأحوال دل على أن الحياة بتمامها حاصلة فيه.
والقول الثاني: أن هذا الاستثناء مختص بقوله {وَمَا أَكَلَ السبع} .
والقول الثالث: أنه استثناء منقطع كأنه قيل: لكن ما ذكيتم من غير هذا فهو حلال.
والقول الرابع: أنه استثناء من التحريم لا من المحرمات، يعني حرم عليكم ما مضى إلا ما ذكيتم فإنه لكم حلال.
وعلى هذا التقدير يكون الاستثناء منقطعاً أيضاً. انتهى انتهى. {مفاتيح الغيب حـ 11 صـ 107}
{إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ} يعني إلاّ ما أدركتم ذكاته من هذه الأشياء، والتذكية تمام فري الأوداج، وإنهار الدم، ومنه الذكاة في السنّ وهو أن يأتي على قروحه سنة، وذلك تمام استكمال القوة ومثله المثل السائد: جري المذكيات غلاب.
قال الشاعر:
يفضله إذا اجتهدوا عليه ... تمام السن منه والذكاء
ومنه الذكاء في الفهم إذا كان تام العقل سريع القبول.
ويقول في الذكاة إذا أتممت إشعالها، فمعنى ذكيتم أدركتم ذبحه على التمام.
وقال ابن عباس وعتبة بن عمير: إذا طرفت بعينها أو ضربت بذَنبِها أو ركضت برجلها أو تحركت فقد حلت لك.
وعن زيد بن ثابت: أن ذئباً نيب في شاة فذبحوها بمروة فرخص النبي صلى الله عليه وسلم في أكله.
أبو قلابة عن أبي الأشعث الصنعاني عن شداد بن أوس قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم"إن اللّه كتب الإحسان على كلّ شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة وليحدّ أحدكم شفرته وليرح ذبيحته".
قال عاصم عن عكرمة:"إن رجلاً أضجع شاته وجعل يحدّ شفرته ليذبحها، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم"تريد أن تميتها موفات قبل أن تذبحها". انتهى انتهى. {الكشف والبيان حـ 4 صـ} "