ونَظَّرَه بآيةِ البقرةِ يَعْنِي: {إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ} [البقرة: 67] ، وهذا لا حاجة إليه مع أنَّ التقديمَ والتَّأخيرَ عند الجمهورِ مِنْ ضَرَائِرِ الشِّعْرِ، فَيَجِبُ تَنْزيهُ القرآنِ عَنْه، ولَيْست الجملةُ - أيضاً - مِنْ قوله: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فاصطادوا} مُعْتَرِضَةً بَيْن قوله: {ولا آمِّينَ البيت الحرام} وبَيْنَ قوله: {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ} ، بَلْ هي مؤسِّسةٌ ومُنْشِئَةٌ حُكْماً، وهو حِلُّ الاصْطيادِ عند التَّحَلُّلِ مِنَ الإحْرَامِ، والجملة المُعْتَرِضَةٌ إنَّما تُفِيدُ تَوْكيداً وتَسْديداً، وهذه مفيدةٌ حُكْماً جَدِيداً كما تقدم.
وقوله:"أنْ تَعْتَدُوا"قَدْ تقدم أنَّه مِنْ مُتعلقاتِ {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ} على أنَّه مَفْعُولٌ ثانٍ، أوْ عَلَى حَذْفِ حَرْفِ الجر، فمَنْ كَسَرَ {إنْ صَدُّوكُمْ} يكُون الشرطُ وجوابُه المقدَّرُ في مَحَلِّ جرٍّ صِفَةً لـ"قَوْم"، أيْ: شَنَآنُ قَوْمٍ هذه صِفَتُهُم ومَنْ فتحها فمحلُّها الجَرُّ والنَّصْبُ، لأنَّها على حَذْفِ لامِ الْعِلَّةِ كما تقدم.
قال الزَّمخْشَرِيُّ: والمعنى: ولا يَكْسِبَنَّكُمْ بُغضُ قَوْمٍ؛ لأنَّ صدوكم الاعتداء ولا يحملنكم عليه.
قال أبو حيّان: وهذا تفسيرُ مَعْنًى لا تفسير إعْراب؛ لأنّه يمتنعُ أنْ يكون مدلولُ"جرم"حمل وكسب في استعمالٍ واحدٍ لاختلاف مُقتضاهما، فَيَمْتَنِعُ أنْ يكُون [أنْ تَعْتَدوُا] في مَحَلِّ مفعول به، ومحلُّ مفعولٍ على إسْقاطِ حَرْف الجر.
قال شهابُ الدِّين: هذا الذي قاله لا يتصَوَّرُ أنْ يتوهمه من له أدْنَى بَصَرٍ بالصِّنَاعةِ حتى ينبِّهَ عليه.
وقد تقدم قراءةُ البَزِّي في نحو:"ولا تَعاوَنُوا"وأنَّ الأصَل: ["تتعاونوا"فأدغم] وحذف الباقون إحْدَى التاءيَنْ عند قوله تعالى: {وَلاَ تَيَمَّمُواْ الخبيث} [البقرة: 267] . انتهى انتهى {تفسير ابن عادل حـ 7 صـ 178 - 187} . باختصار.