أحدُها: تقييدُ القرآنِ بكونهِ من النعَمِ، فبيَّنَ جنسَ المِثْلِ الذي هو الجَزاء، وحملُهُ على أن النَّعَمَ هو الصيدُ خلافُ المعروفِ من اللسانِ.
ثانيها: القراءةُ بالرفعِ والتنوينِ مبيِّنَةٌ لقراءةِ الإضافةِ، ولو لم يُحْمَل عليها، أَدَّى إلى تعارُضِ القراءتين.
ثالثُها: قوله تعالى: {هدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} [المائدة: 95] ، والهدي يُطْلَقُ في عُرفِ اللُّغَةِ والشَّرعِ على ما ساقَهُ المُحْرِمُ إلى البيتِ.
رابعُها: إجماعُ الصحابةِ - رضي الله تعالى عنهم - على الحكم بالنَّعَم في الجزاءِ، دونَ القيمةِ.
خامسها: استعمالُ المِثْلِ في الصُّورَةِ حقيقةً، وفي القيمةِ مَجازاً، والحقيقةُ مقدَّمَةٌ على المجاز.
ثم نقول: لا يخفى على ذي نَظَرٍ اعتناءُ الشرعِ بإراقَةِ الدماء على وَجْهِ النُّسُكِ، لما فيهِ من القربانِ والتعظيمِ لشعائرِ اللهِ جَلَّ جلالُه، قال الله سبحانه وتعالى: {لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ} [الحج: 37] ، وإمساكُ الأدبِ معَ وُرودِ الشرع أَوْجَبُ على علماءِ الشريعةِ، وأَلْيَقُ بهم، ولا سِيَّما في مناسكِ الحَجِّ، فَأكثَرُها مِمّا لا يُعقَلُ معناها.
فإن قلتَ: فقد قالَ اللهُ سبحانه: {أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا} [المائدة: 95] ، والطعامُ والصِّيامُ ليسا بِمِثْل صُوَرِه، فدلَّ على اعتبارِ المِثْلِ المعنَوِيِّ.
قلت: سبحانَ اللهِ! ما أَحسَنَ ما قُلْتَ؛ حيثُ أنطقَكَ اللهُ بالحُجَّةِ عليكَ، أما ترى الله سبحانه وصفَ الطعامَ والصِّيامَ بكونِهمِا كَفَّارَةً، ووصَفَ الجزاءَ مِنَ النَّعَمِ بكونه مِثْلاً، فَبَيَّنَ أنَّ هذا الجَزاءَ كَفَّارَةٌ كسائرِ الكَفّاراتِ، والكَفّاراتُ مَنْصوصاتٌ لا يجوزُ عندَكَ القِياسُ فيها.
* وفي الآيةِ دَلالةٌ على أن الجَماعَةَ إذا قَتَلوا صَيْداً، ليسَ عليهِم إلَّا مثلُ ما قَتَلوا، وهو جزاءٌ واحدٌ؛ لأن الجزاءَ في مقابَلَةِ المقتولِ، لا في مُقابَلَةِ القَتْلِ.
-وبهذا أخذَ الشافِعِيُّ، ويدلُّ لهُ قضاءُ عُمَرَ، وعبدِ الرحمنِ بنِ عَوْفٍ
الآتي قريباً، وما رُوي عنِ ابنِ عَبّاسٍ - رضي الله تعالى عنهم - في قومٍ أَصابوا ضَبُعاً، فقال: عليهم كَبْشٌ يَتَخارجونه بينهم، وخَرَّجَ الدَّارَقُطْنيُّ مِثْلَهُ عنِ ابنِ عمرَ - رضي الله تعالى عنهما - .