وقال أبو عُبيدٍ: إذا كانَ عندَهُ قوتُ يومهِ وليلتِه وعِياله، وكسوةٌ تكونُ لِكفايتهم، فإن كانَ قادراً على الكفارة، فهو عندَنا واجِدٌ، وإلَّا فليسَ بواجِدٍ، وهو كقولِ الجَماعةِ، واستحسَنَهُ ابنُ المنذرِ.
وقالَ أبو حَنيفة: إذا لم يكنْ عندَهُ نِصابٌ، فهو غيرُ واجِدٍ.
وقال بعضُ أهلِ العلمِ: مَنْ لم يكنْ عندَهُ فَضْلٌ غير رأسِ مالِه الذي يقومُ به، فهو عاجزٌ.
* ولما أتم اللهُ سبحانه ذِكْرَ الكفارة، قال: {ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ} [المائدة: 89] ، فعلقَ وُجوبَ الكفارةِ على وقوع الحلفِ، علمنا أنه هو السبب للكفارة.
وقد اتفقَ العلماءُ على أن الحلفَ سببٌ للكفارة.
واختلفَ الشافعيَّةُ، هل هو بِمُجَرَّدهٍ سببٌ لوجوبِها، والحِنْثُ شرطٌ لتحققِ وُجوبِها، أو الحلفُ سببٌ، والحِنْثُ سَببٌ آخر؟
وبهذا قالَ جُمهورُهم، وبالأولِ قالَ الباقون.
ولهم من الدليلِ أنَّ الحِنْثَ قد يكونُ بغيرِ فِغلِ الحالِفِ، كما لو قالَ: واللهِ لا دَخَلَ زَيدٌ الدارَ.
وبظاهرِ الآيةِ تمسَّكَ مَنْ جَوَّزَ تقديمَ الكَفّارَةِ على الحِنْثِ، وهمُ الجمهورُ، ومنهمُ الشافعيّ ومالكٌ في أَحَدِ قولَيْه، ويُروى عن أَرْبَعَةَ عَشَرَ صحابِيًّا.
وقالَ المُخالفونَ لهم: معناهُ: إذا حَلَفْتُم وحَنِثْتُم؛ لأن الكفارةَ شُرِعَتْ لِدَفْعِ الإثمِ، ومعَ عَدَمِ الحِنْثِ لا إثْمَ، فَلا تكفير.
وقدِ اختلفَتْ رواياتُ الحَديثِ في ذلك، فروي أنه - صلى الله عليه وسلم - قال:"إني واللهِ - إن شاءَ اللهُ - لا أَخلِفُ على يَمينٍ، ثُمَّ أَرى خَيْراً مِنْها، إلَّا كَفّرتُ عن يَميني، وأتيتَ الذي هُوَ خَيْرٌ"، وقال:"مَنْ حَلَفَ على يَمينٍ، فرأى غيرَها خَيْراً منها، فَلْيَأتِ الذي هُو خَيْرٌ، ولْيُكَفّرْ عن يَمينِه".
والأخذُ بتقديمِ الحِنْثِ أَحْوَطُ، وبِتَقديمِ الكَفّارَةِ أحسَنُ؛ للعملٍ بالحديثين، وتركِ الإبطالِ لأَحَدِهِما؛ فإنَّ مَنْ جَوَّزَ تقديمَ الكّفارةِ، جَوَّز تأخيرَها، بل يَسْتَحِبُّهُ أيضاً، ومن أَوْجَبَ تأخيرَها، لا يُجَوِّزُ تقديمَها.
* فإن قال: فهلِ الأفضلُ الحِنْثُ والتَّكفيرُ، أو البِرُّ بِمُقْتَضى اليمين؟
قلنا: في ذلك تفصيلٌ:
فإن كانَ الحِلْفُ على فعلِ واجب، أو تركِ معصية، فالبرُّ واجبٌ، والحِنْثُ حَرامٌ، وعَكْسُهُ لا يَخْفى.