روى البخاريُّ عن شَقيقِ بنِ سَلَمَةَ قال: كنتُ عندَ عبدِ اللهِ وأبي موسى، فقال له أبو موسى: أرأيتَ يا أبا عبد الرحمن إذا أجنَبَ فلم يجْد ماءً كيفَ يصنع؟ فقال عبدُ الله: لا يصلي حتى يجدَ الماءَ، فقال أبو موسى: فكيف تصنعُ بقولِ عَمَّارٍ حينَ قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -:"كان يكفيك"؟ قال: ألم ترَ إلى عمرَ لم يقنعْ بذلكَ منه؟ فقال أبو موسى: فدعنا من قولِ عَمّارٍ، كيف تصنع بهذه الآية؟ فما دَرى عبدُ الله ما يقولُ، فقال: إنا لو رَخَّصْنا لهم في هذا، لأوشكَ إذا بردَ على أحدِهِمُ الماءُ أن يَدَعَهُ ويتيمَّمَ، فقلتُ لشقيقٍ: إنما كرهَ عبدُ الله لهذا؟ فقال: نعم. وقيل: إن عمرَ وابن مسعود رَجَعا عن ذلك، والله أعلم.
* وكنت قَدَّمْتُ أولاً أنَّ مفهوم قوله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة: 6] لا يوجبُ تكَرار الوضوءِ لكلِّ صلاةٍ، خلافاً
لابنِ سيرين؛ لأجلِ فعلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بالوضوءِ الواحد، فهل يقتضي بمفهومه أنه يجبُ طلبُ الماءِ والتيمُّمُ لكلِّ صلاةٍ عندَ القيامِ، أو لا يجب كالوضوء؟
فباقتضاء المفهومِ قالَ الشافعيُّ ومالِكٌ، فأوجبا الطَّلَبَ والتيمُّمَ لكلِّ فريضةٍ.
وبتركِ المفهومِ قال أبو حنيفةَ، فلم يوجبْ ذلك.
* فإن قلتَ: فهل يدلُّ هذا المفهومُ عندَ مَنْ قالَ به على أنه لا يجوزُ فِعْلُ التيمُّمِ قبلَ دخولِ الوقت؟
قلتُ: يجوزُ أن يُقال: لا يَدُلُّ؛ لأن المُعَلَّقَ بالشَّرْطِ إنَّما هو الوجوبُ، والوجوبُ في وقتٍ لا يمنعُ الجَوازَ في غيرهِ.
ويجوزُ أن يقال: فيه دلالةٌ على التقييدِ بالوقتِ وجُوباً وجوازاً؛ فإنه عبادةٌ، وقد وردَ توقيتُ وجوبِها بوقتِ الصلاةِ، فلا يجوزُ في غيرهِ؛ كسائرِ
العبادات، وإنما خرج الوضوءُ بفعلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - الصَّلَواتِ بوضوءٍ واحد، أو لأنه طهارةٌ لا عبادةٌ كما ذهبَ إليه أبو حنيفةَ والثوريُّ، ولهذا لم يوجبا النِّيَّةَ في الوضوء، وأوجباها في التيمُّم؛ لأنه عبادة.
وأما أبو حنيفةَ، فعلى أصلهِ في هذهِ المسألة منْ بُطلانِ المفهومِ، وأنه يجوزُ التيمُّمُ قبلَ دخولِ الوقتِ؛ كالوضوء.
(من أحكام الحدود)
(الحرابة)