وبهذا قال عليٌّ وابنُ عمرَ، ومالِكٌ والشافِعيُّ وأبو حنيفةَ - رضيَ اللهُ تعالى عنهم - .
وحملَهُ قومٌ على الكفينِ.
واستدلوا بما رواهُ البخاريُّ ومسلمٌ عن عمارِ بنِ ياسرٍ - رضيَ اللهُ تعالى عنه - أنه قال: بعثني رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - في حاجَةٍ، فأَجْنَبْتُ، فلمْ: أجدِ الماءَ، فَتَمَرَّغْتُ في الصَّعيدِ كما تَمَرَّغُ الدابَّةُ، ثم أتيتُ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - ، فذكرتُ ذلكَ له، فقال:"إنما يكفيكَ أن تقولَ بيديكَ هكذا"ثم ضربَ الأرضَ ضربةً واحدةً، ثم مسحَ الشِّمالَ على اليمينِ، وظاهرَ كَفَّيْهِ ووَجْهَهُ.
وبهذا قالَ الأوزاعيُّ، وأحمدُ، وإِسْحاقُ، وعامَّةُ أصحابِ الحديثِ.
فيحتمل أنهم رَجَّحوا حديثَ عَمَّارٍ؛ لصِحَّته، وأنهم حَملوا غيرَه على الاستحباب، والآخرونَ إنما قَدَّموا حديَث ابنِ الصِّمَّةِ على حديثِ عَمّارِ؛ لاتفاقِهِ، واختلافِ حديثِ عمارٍ.
فروى الزهريُّ عن عُبيدِ الله بنِ عبدِ اللهِ بنِ عُتبةَ عن أبيهِ: أن عَمّارَ بنَ
ياسرٍ قال: تيمَّمْنا معَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المناكِبِ.
وروى الزهريُّ أيضًا عن عُبيد اللهِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عُتبةَ عنْ أبيه: أن عمارَ بنَ ياسرٍ قال: كنا معَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - في سَفَرٍ، فنزلتْ آيةُ التيمم، فتيممنا مع رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المناكِب.
فهذا تصريحٌ بان هذا أولُ تَيمُّمٍ كان حينَ نزلتْ آيةُ التيمم.
فلا تخلو روايتُه التي قَدَّمناها: إمّا أن تكونَ ناسِخَةً لهذه؛ لخلوِّها عن هذا التاريخ بالأولية، أو تكونَ مخالفةً لها من غير نسخ، فالأخذُ بمَنْ لم تختلفْ روايتُه أولى ممَّنِ اختلفَتْ روايتُه، ولأنُه أشبهُ بالقرآن من روايتي عمار، وأشبهُ بالقياس؛ لأن التيمُّمَ بَدَلٌ من الوُضوء، وينبغي أن يكونَ البَدَلُ مِثْلَ المُبْدَلِ منه.
ويظهرُ لي بَحْثٌ في الجَمْعِ بينَ حديثِ عَمَّارٍ وغيرِه من الأحاديثِ، وبينَ رواياتِ عمارٍ أيضًا، وهو أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قصدَ أن يردَّ على عَمَّارٍ فِعْلَهُ، ويبينَ له غلطَهُ، حيثُ عَمَّ بدنه بالتمرُّغِ، وتركَ الضربَ باليدينِ والمسحِ بهما، فبينَ له كيفيةَ العملِ، وأنه لا بدَّ من الضربِ باليدينِ، ولم يردْ بيان مقدارِ الواجب، فقال لهُ:"وأما أنت يا عَمَّارُ فلمْ يكُنْ ينبغي لكَ أن تَتَمَعَّكَ كما"