فإن قلت: فإنا نجدُ في القرآنِ والسنةِ ظواهرَ تدلُّ على طلبِ التسمية؛ كقوله تعالى: {فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ} [المائدة: 4] ، وقوله - صلى الله عليه وسلم -:"إذا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ المُعَلَّمَ، وذَكَرْتَ اسمَ الله عليهِ، فَكُلْ"، وغير ذلك من الآثار.
قلت: هذه الظواهرُ محمولة عندنا على الاستِحباب، والخِطابُ جرى على غالب الوجودِ من أحوالِهم، بدليلِ ما قدمتهُ.
فإن قلتَ: فهل تجدُ في السنةِ دليلًا على ما قلتَ من صرفِ هذهِ الظواهرِ إلى ما أُريد بها؟
قلت: نعم، روى البخاريُّ عن هشامِ بنِ عُروةَ عن أبيه عن عائشةَ - رضي الله تعالى عنها -: أن قومًا قالوا للنبي - صلى الله عليه وسلم -: إن قومًا يأتونا باللَّحم لا ندري أَذَكَروا اسمَ اللهِ عليهِ، أم لا؟ فقال:"سَمُّوا عليهِ أنتم وكلوه"،
فهذه التسميةُ هيَ المندوب إليها عندَ الأكلِ، وليست هي التسيمةُ عندَ الذكاة، ولو كانَ حَرامًا، لم يأمرْهُم.
108 - (5) قوله عَزَّ وجل {الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [المائدة: 5] .
* إذا تَمَّ هذا، فهذه الإضافةُ للطَّعامِ إلى أهلِ الكتابِ:
يَحتمل أن يُرادَ بها عامَّةُ ذبائِحهم.
ويحتملُ أن يُرادَ بها ما يَحِلُّ لهم مِمَّا يَطْعَمونه دونَ ما يحرم عليهم كذواتِ الظفرِ، وشحومِ الغنمِ والبقر.
وبالمعنى الأولِ قالَ الشافعيُّ، وابنُ وَهْبٍ، وابنُ عبدِ الحَكَمِ.
وبالمنع قالَ ابنُ القاسمِ.
وفرق أشهبُ بينَ ما كانَ مُحَرَّمًا بالتوراةِ، وما كانَ مُحرَّمًا من قِبَلِ أَنْفُسهم، فأباح ما ذبحوا مِمّا حَرَّموه على أنفسهم.
وكذلك اختلفَ قولُ مالكٍ في الشحوم.
وبالإباحةِ قالَ الشافعيُّ، ويدلُّ له ما رُوي أنَّ عبدَ اللهِ بنَ مُغَفَّلٍ أصابَ جرابَ شَحْمٍ يومَ خَيْبَر، ورآه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - ، وأقرَّهُ على أخذه، ولم ينهَه.