وقد اختلف في هذه الآية على فيها تقديم وتأخير أم لا؟ فقيل: فيها تقديم وتأخير، تقديره: {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى وأرجلكم إلى الكعبين وإن كنتم جنبًا فاطهروا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم إلى الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدًا طيبًا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه} ، وإنما قدرها هكذا من ذهب إلى هذا التأويل وهو محمد بن مسلمة من أصحاب مالك؛ لأن ظاهرها أن المرض والسفر حدث يوجب الوضوء كالمجيء من الغائط سواء، وذلك لا يصح بإجماع. وقال بعضهم: وهذا القول في الآية إنما يأتي على قول من رأى أن قوله تعالى: {إذا قمتم إلى الصلاة} معناه من النوم. وقيل: إن
الآية على تلاوتها لا تقديم فيها ولا تأخير، ومعنى قوله تعالى: {وإن كنتم مرضى} أي مرضى لا تقدرون على مس الماء، أو عدم من يناولكم إياه؛ لأن المرض يتعذر معه مس الماء، والوصول إليه في غالب الأحوال، فاكتفى تعالى بذكر المرض، وفهم منه المراد كما فهم من قوله تعالى: {فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت} [البقرة: 60] ، وإن معناه فضرب فانفجرت. وكذلك قوله تعالى: {أو على سفر} يريد غير واجدين الماء، فاقتصر على ذكر السفر وفهم المراد منه؛ لأن السفر يعدم فيه الماء في غالب الأحوال. ثم قال: {أو جاء أحد منكم من الغائط} الآية، يريد في الحضر، وقد كان قوله تعالى: {إذا قمتم إلى الصلاة} يعم الحضر والسفر، لكنه لما كان الغالب في الحضر وجود الماء أعاد ذكره وصرح بذلك الشرط، فقال: {أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدًا طيبًا} ، قال بعضهم: وهذا القول إنما يأتي على القول بأن معنى الآية: إذا قمتم إلى الصلاة وقد أحدثتم، وإلى أن الآية على تلاوتها ذهب مالك رحمه الله في (( المدونة ) )؛ لأنه يقول فيها: إن المريض الذي لا يقدر على مس الماء يتيمم وإن كان واجدًا للماء، وإن الصحيح غير المسافر يتيمم إذا عدم الماء على التأويل