واختلف علماء السلف في التغذية والتعشية ، وكذلك اختلف فيه الشافعي وأبو حنيفة ، وظاهر قوله تعالى ، فإطعام عشرة مساكين ، يدل على جواز التغذية والتّعشية على ما قاله أبو حنيفة ، إلا أن الشافعي يقول لما قال فإطعام ، جعل المال طعمة ، لا أنه جعل الإطعام الذي يتعقبه التطعم ، ولذلك جاز التمليك وليس فيه فعل الإطعام ، وإنما المراد به جعل المال طعمة لهم ، وقربة بقوله (أَوْ كِسْوَتُهُمْ) ومعناه أو مقدار كسوتهم ، وفي الكسوة التمليك شرط ، وكذلك في الطعام ، وتمامه مستقصى في كتب الفقه.
وفي قوله: (إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ) ، دلالة على أنه لو صرف إلى واحد جميع الطعام لا يجوز ، وأصحاب أبي حنيفة يمنعون صرف الجميع إلى واحد دفعة واحدة ، ويختلفون فيما إذا صرف الجميع في يوم واحد بدفعات مختلفة ، والسبب في ذلك أن منهم من يراعي عند تعدد الفعل ظاهر التوقيف فيقول:
إذا دفع إليه أولا ، فبعد ذلك لو منعناه كنا قد خصصنا الحكم في بعض ما انتظمه الاسم دون بعض ، فإن اسم لمسكين يعمه مع غيره ، فأما إذا دفع إليه دفعة واحدة بطل معنى العدد ، فكأنهم يقولون إذا تعدد الفعل ، حسن أن يقال في الفعل الثاني ، لا يمنع من الذي دفعه إليه أولا ، فإن اسم المسكين يناله ، فهذا مأخذ قوم منهم.
واعتمد آخرون في إسقاط العدد ، على إقامة تعدد الجوعة بتعدد الأيام مقام أعداد المساكين ، والأمران باطلان ، فإن فيهما طرح العدد ، وذلك لا وجه له ، والذي قالوه من أنكم منعتموه مع اشتمال اسم المسكين عليه ، فلم يمنعه إلا لاعتبار العدد ، فإن العدد منصوص عليه فلا سبيل إلى طرحه ، والذي ذكروه من إقامة عدد الأيام مقام عدد المساكين ، فتحكم ذكرنا في كتب الفقه فساده.