ولا يقول ابن عباس إنه نسخ ذلك من طريق الرأي ، فإن مدركه التوقيف والعلم بالتواريخ ، إلا أنه يقال: يجوز أن يكون قد أخطأ وغلط في الذي ادّعاه من التوقيف ، ولم يكن طريقه النسخ ، وإذ قال الصحابي أو التابعي كذا منسوخ بكذا ، فلا يقبل ذلك دون أن ينظر فيه.
ويجوز أن يكون معنى قوله: (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ) : المنع من اتباع آرائهم فيما قد نسخ ، ولا يمنع ذلك من جواز الإعراض عنهم ، مثل منوب الجزية عليهم ، فإنهم ما كانوا إذ ذاك داخلين في أحكام الإسلام ، وإنما كان بينهم وبين رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم هدنة ، أن لا يتعرض لهم ولا يؤاخذون بشيء من أحكام الإسلام ، فتكون «1» منهم ولهم ، فلما أمر اللّه تعالى بأخذ الجزية منهم وإجراء أحكام المسلمين عليهم ، أمر بالحكم بينهم بما أنزل اللّه تعالى ، فسيكون حكما للآيتين جميعا تاما.
فإذا احتمل الأمرين ، فليس قوله: أو أعرض عنهم ، نصا حتى يحتاج إلى طلب نسخه ، فعلى هذا ينبغي أن يقال: يجب على الإمام أن يحكم بينهم.
ويحتمل أن يقال: من حيث إنهم لا يؤاخذون بأحكام الإسلام وتفاصيل الحلال والحرام ، يجوز للإمام أن لا يحكم بينهم أصلا.
وروي عن ابن عباس أن الآية التي في المائدة قوله: (فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ) ، إنما نزلت في الدية بين بني قريظة وبني النضير ، وذلك أن بني النضير كان لهم شرف يدون دية كاملة ، وأن بني قريظة يدون نصف الدية ، فتحاكموا في ذلك إلى رسول اللّه ، فأنزل اللّه تعالى الآية
(1) أي فتكون أحكامهم.