وكفاك دليلًا قول صاحب الكتاب رحمه الله: وقد يجوز أن تقول: عليكم أنفسِكم أجمعين، فتحمله على المضمر المجرور الذي ذكرته للمخاطبة. فقد صرح بأن الكاف والميم في موضع الجر، وأنه اسم لا حرف خطاب، كما زعم ابن بابشاذ.
وقال أيضًا: إذا قال: عليك زيدًا، يكون كأنه قال: خذ زيدًا، ألا ترى أن للمأمور اسمين: اسمًا للمخاطبة مجرورًا، واسمَه الفاعلَ المضمر في النية.
191 -إذا قالت حذامِ فصدِّقُوها ... فإن القولَ ما قالت حذامِ
وقوله: {لَا يَضُرُّكُمْ} يحتمل أن يكون مجزومًا على جواب الأمر، وإنما ضمت الراء إتباعًا لضمة الضاد المنقولة إليها من الراء المدغمة والأصل: لا يَضرُرْكم، وأن يكون مجزومًا على النهي، والضم إتباع كما ذكرت آنفًا في الأصل والتقدير، وأن يكون مرفوعًا على جهة الخبر على معنى ليس يضركم، تعضده قراءة من قرأ (لا يضيرُكم) بكسر الضاد وياء بعدها وضم الراء مع تخفيفها، من ضاره يضيره، وهو أبو حيوة.
وقرئ أيضًا: (لا يُضرْكم) بكسر الضاد وضمها وتخفيف الراء مع سكونها، من ضاره يضيره ويضوره، وهذه القراءة تنصر الوجه الأول والثاني.
وقرئ أيضًا: (لا يضرَّكم) بفتح الراء مع تشديدها، على أن حقه الجزم إما على الجواب، أو على النهي، ويجوز في العربية (لا يضرِكم) بكسر الراء، والحركة فيهما لالتقاء الساكنين، فمن حرك بالفتح فلخفة الفتحة، ومن حرك بالكسر فعلى أصل التقاء الساكنين، خذ بيانًا شافيًا وفرقًا واضحًا. والكاف والميم مفعول لا يضر.
و {مَنْ ضَلَّ} : فاعل لا يضر. و {إِذَا} ظرف لقوله: {لَا يَضُرُّكُمْ} .
وبعد .. فقد ورد في التفسير أن سبب نزول قوله عز وجل:
يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ