وقوله: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} . اللام متعلقة بقوله: {جَعَلْنَا} ، و {مِنْكُمْ} في موضع الصفة لكل، وليس قول من منع ذلك - وقال: لا يجوز أن يكون {مِنْكُمْ} صفة لكل؛ لأن ذلك يوجب الفصل بين الصفة والموصوف بالأجنبي الذي لا تسديد فيه للكلام، ويوجب أيضًا أن يفصل بين {جَعَلْنَا} وبين معمولها وهو {شِرْعَةً} ، وإنما يتعلق بمحذوف تقديره أعني - بمستقيم؛ لأن قوله: {لِكُلٍّ} وإن كان مُقَدمًا في اللفظ، فهو مؤخر في الحكم والتقدير؛ لأن من شرط المعمول أن يكون بعد العامل، إما لفظًا، وإما حُكْمًا، وأيضًا فإن ما قدره فاصل بين {جَعَلْنَا} وبين معمولها، فاعرفه.
والشرعة والشريعة: الطريقة الظاهرة التي يتوصل بها إلى النجاة.
والجمهور على كسر الشين، وقرئ: بفتحها.
والمنهاج: الطريق الواضح، وكذلك النهج والمنهج. ومعنى {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} أي: جعلنا التوراة لأهلها، والإِنجيل لأهله، والقرآن لأهله، وهذا في الأحكام والشرائع والعبادات، وأما في التوحيد فالأصل واحد، عن قتادة وغيره.
وقوله: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ} . اللام لام كي متعلقة بمحذوف، أي: ولو شاء لصيركم جماعة متفقة على شريعة واحدة، ولكن فرقكم ليبلوكم فيما آتاكم من الشرائع المختلفة: هل تعملون بها مذعنين أم لا؟
وقوله: {إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا} المرجع: الرجوع، والمصدر مضاف إلى ما هو فاعل في المعنى، و {جَمِيعًا} حال منه، والعامل المصدر المضاف، كأنه قيل: إليه ترجعون جميعًا.
{وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (49) } :