وقوله: {بِرُءُوسِكُمْ} الباء للإِلصاق، والمراد إلصاق المسح بالرأس، وماسح بعضه أو كله مُلصِق للمسح برأسه، والواجب منه ما يقع عليه اسم المسح، بدليل ما روي"أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مسح على ناصيته"، والناصية عند العرب مُقَدَّمُ شعر الرأس، فماسح أدنى جزء من مقدم رأسه ماسحٌ على ناصيته موافق لفعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والحديث حجة له على من خالفه في ذلك وَقَدَّرَ الناصيةَ بربع الرأس مستدِلًّا بالحديث المذكور آنفًا، وهو عليه؛ لما ذكرتُ من أن الناصية عند العرب مقدم شعر الرأس من غير تقييد ولا تقدير، ولو حلف حالف ألّا يضرب على ناصية فلان فضرب على أدنى جزء من مقدم رأسه لكان حانثًا بالإِجماع، وذلك حجة. والمسح إمرار اليد على الشيء.
وقوله: {وَأَرْجُلَكُمْ} قرئ: بالنصب عطفًا على الوجوه والأيدي، وبالجر عطفًا على الممسوح حملًا على المعنى كقوله:
177 -يا لَيتَ زوجَكِ قَدْ غَدا ... مُتَقَلِّدًا سيفًا ورمحا
وقوله:
178 -عَلَفْتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا ...
لا لِتُمْسَحَ، والدليل على أن الأرجل مغسولة قوله: {إِلَى الْكَعْبَيْنِ} ، فجيء بالغاية كما ترى، ولو كانت ممسوحة لما جيء بالغاية؛ لأن المسح لم تُضْرَب له غايةٌ في الشريعة، فيقاسُ هذا عليه.
وقول عَطاءٍ رحمه الله: والله ما علمت أن أحدًا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مسح على القدمين.
وقول عائشة - رضي الله عنهما: لأَن تُقطعا أحب إليَّ من أن أمسح على القدمين بغير خُفٍّ.
وليس قول من قال: مجرور على الجوار، كقولهم: جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ، بمستقيم لأجل العاطف.
وقيل: إن الغَسْلَ سُمِّيَ مَسْحًا على ما تستعمله العرب من قولهم:
تَمَسَّحْتُ للصلاة، أي: توضأت كغيرها.
وقرئ: (وأرجلُكم) بالرفع على الابتداء، والخبر محذوف، أي: وأرجلكم مغسولة.