{الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) } :
قوله عز وجل: {الْحَمْدُ} : رَفْعٌ - بالابتداء، وخبره الظرف الذي هو {لِلَّهِ} متعلق بمحذوف، أي: الحمد ثابت أو مستقر لله، وكذلك كل ما وقع من حروف الجر خبرًا لمبتدأ، أو صفة لموصوف، نحو: هذا رجل من قريش. أو صِلةً لموصول، نحو: هذا الذي من قريش. أو حالًا لذي حال، نحو: هذا زيد من قريش، فإنه يتعلق بمحذوف، وما عدا هذه الأربعةَ، فإنه يتعلق بموجود، نحو: مررت بزيدٍ، أو ما هو في حكم الموجود مثل: {بِسْمِ اللَّهِ} على مذهب من يقدّر: بدأتُ، أو أبدأُ، وأما من يقدر: ابتدائي، فمن القِسْمِ الأول الذي عامِلُهُ محذوفٌ، لأنّ ابتدائِيَ المقدرَ مبتدأٌ، {بِسْمِ اللَّهِ} خبره.
والابتداء عامل معنوي، والعوامل على ضربين: عامل لفظي، وعامل معنوي لا حَظَّ للسان فيه، [وإنما يعبر عنه] ، فاللفظي: فعل وحرف، والمعنوي ضربان:
أحدهما: عامل الرفع في الاسم المبتدأ وهو تَعَرِّيه من العوامل
الظاهرة، وما يجري مجراها، نحو: إنْ زيدٌ قام.
والآخرُ: عامل الرفع في الفعل المضارع، وهو وقوعه موقع الاسم، وسيبويه رحمه الله لا يثبت من العامل المعنوي إلا هذين، والعامل في الصفة عنده هو العامل في الموصوف، نحو: مررت بزيدٍ الظريف، فَجَرُّ الظريف عنده بالباء.
وقد أَثبت أبو الحسن عاملًا ثالثًا معنويًّا، وهو أن يَجُرَّ الظريفَ في قولك: مررتُ بزيدٍ الظريفِ وما أشبه هذا بكونِهِ صفةً لمجرورٍ، وكونه صفة لمجرور معنىً يعرف بالقلب، فاعرفه.
وقُرئ: (الحمدَ لله) بالنصب، على إضمار فعله، أي: نحمدُ اللهَ الحمدَ، والرفع أجود، وهو اختيار صاحب الكتاب رحمه الله لما فيه من التعميم والدلالة على ثبات المعنى واستقراره، ومنه قوله تعالى: {قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ} ، رُفع (سلام) الثاني للدلالة على أن إبراهيم عليه السلام حَيَّاهم بتحيةٍ أحسنَ من تحيتهم، لأن الرفع دال على معنى ثبات السلام لهم دون تجدده وحدوثه.
وقرئ: (الحمدِ لِلَّه) بكسر الدال على إتْباعِ الأولِ الثاني. و (الحمدُ لُلَّه)
بضم اللام على إتباع الثاني الأول، وهو أحسنُ وأقوى، لأن حُرْمَةَ الإعراب أقوى من حرمة البناء، والذي جَسَّرَ القارئَ على ذلك - والإتباع إنما يكون في كلمة واحدة، كقولهم: مُنْحَدُرٌ ومِغِيرَةٌ - شِدَّةُ حاجةِ المبتدأ إلى الخبر، فلما كان كذلك أَجْرَى ما هو من كلمتين مجرى ما هو من كلمة واحدة.
والتعريف فيه تعريف الجنس، ومعناه الإشارة إلى ما يعرفه كل أحدٍ من أن الحمد ما هو، كما أن نحو تعريف الدرهم والدينار إذا قلت: كثر الدرهم والدينار كذلك.
قيل: وفي الكلام حذف، والتقدير: قولوا الحمد لله، أي: الحمد كله لله لا لغيره، وإضمار القول في القرآن وفي كلام القوم كثير.
وقيل: الحمد المعهود لله، وهو الحمد الذي حمد به نفسه، فاللفظ على هذا على الخبر والمعنى على الأمر. ويجوز أن يكون إخبارًا أخبر الله جل ذكره به، فلا حذف على هذا.
واللام في قوله: (لله) ، أصله الفتح، بدليل أنهم فتحوه مع المضمر في قولهم: الحمد لَه، والمال لَك، لأن المضمر يُرَدُّ فيه الشيء إلى أصله، فإن قلتَ: إذا كان الأمر على ما زعمتَ، فلمَ كُسِرَ مع الظاهر؟ قلت: للفصل بينه وبين لام الابتداء إذ كان يلتبس في مواضع كثيرة، ألا ترى أنك لو