ونقله عنه أبو الحسن بن القطان في كتابه"الإقناع في مسائل الإجماع" (70) وأقرّه.
وحكاه أيضًا القاضي عياض اليحصبيّ فقال في"إكمال المعلم" (71) : «ولا خلاف أنه ليس في ذلك حدّ لا يزاد عليه ولا ينقص منه، وأنّ صلاة الليل من الفضائل والرّغائب التي كلّما زيد فيها زيد في الأجر والفضل؛ وإنّما الخلاف في فعل النبيّ صلى الله عليه وسلم وما اختاره لنفسه» .
ونقله عنه النووي في"شرح صحيح مسلم" (6/ 19) ، والعراقي في"طرح التثريب" (72) مقرين به.
ومما يدل على ذلك ما رواه مالك في"الموطأ"عن عبد الله بن عمر: أنّ رجلا سأل رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عن صلاة اللّيل؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صلاةُ اللّيل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدُكم الصُّبحَ صلَّى ركعةً واحدةً توتر له ما قد صلى» . ومن طريق مالك رواه البخاريّ، ومسلم (73) .
وعن عمرو بن عبسة السُّلمي أنه قال: قلت: يا رسول الله أيّ الليل أسمع؟ قال: «جوف الليل الآخر، فصلِّ ما شئت؛ فإنّ الصّلاة مشهودة مكتوبة حتى تصلي الصبح ... » الحديث.
رواه أبو داود، وابن خزيمة (74) من طريق الربيع بن نافع، حدثنا محمد بن المهاجر، عن العباس ابن سالم، عن أبي سلام، عن أبي أمامة، عن عمرو بن عبسة، فذكر الحديث بطوله في قصة إسلامه، وهو عند أبي داود مختصر، وإسناده صحيح، وهو في صحيح مسلم (75) من وجه آخر عن أبي أمامة، وليس فيه موضع الشاهد.
وقد فسَّر الحافظ العراقي في"طرح التثريب" (76) قوله صلى الله عليه وسلم: «مثنى مثنى» بقوله: «المراد أنه يسلِّم من كلِّ ركعتين من غير حصر في هذا العدد (77) ؛ ولهذا عقّبه بقوله: «فإذا خشيت الصبح» فدلّ على أنه يصلي من غير حصر بحسب ما يتيسر له من العدد إلا أنه يكون على هذا الوجه وهو السلام من كل ركعتين إلى أن يخشى الصبح فيضيق حينئذ وقت صلاة الليل فيتعيّن الإتيان بآخرها وخاتمتها وهو الوتر، وهذا هو الذي فهمه جميع الناس».
قلت: وهذا هو الذي فهمه الصحابة كعبد الله بن عمر رضي الله عنهما رواي الحديث، فقد روى محمد بن نصر المروزي في"كتاب الوتر"ـ كما في مختصر المقريزي (78) ـ عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، وسليمان بن يسار، كلاهما عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قالا: سأله رجل عن الوتر. فقال: أما أنا فإني إذا صليت العشاء الآخرة صليتُ ما شاء الله أن أصلي مثنى مثنى، فإذا أردت أن أنام ركعت ركعة واحدة أوترت لي ما قد صليت، فإن هببتُ من الليل فأردت أن أصلي شفّعتُ بواحدة ما مضى من وتري، ثم صليت مثنى مثنى، فإذا أردت أن أنصرف ركعت ركعة واحدة فأوترت لي ما صليت، إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أن يجعل آخر الصلاة من الليل الوتر. فقال له رجل: أفرأيت إن أوترت قبل أن أنام ثم قمت من الليل فشفعت حتى أصبح؟ قال: ليس بذلك بأس حسن جميل.
وروى محمد بن نصر أيضًا ـ كما في الفتح (79) ـ من طريق سعيد بن الحارث أنه سأل ابن عمر عن ذلك (يعني عن نقض الوتر) فقال: إذا كنت لا تخاف الصبح ولا النوم فاشفع ثم صلِّ ما بدا لك ثم أوتر، وإلا فصلِّ وِتْرَك على الذي كنت أوترت.
وروى ابن أبي شيبة في"مصنفه" (80) عن وكيع، عن عمران بن حُدَيْر (81) ، عن أبي مِجْلَز (82) أنّ أسامة بن زيد وابن عباس قالا: «إذا أوترت من أول الليل ثم قمتُ تصلي فصلِّ ما بدا لك واشفع بركعة ثم أوتر» . وإسناده صحيح.
والشاهد في قولهم: «صلِّ ما بدا لك» أي من غير تحديد بعدد معين.
وأمّا التمسّك بما جاء في الصّحيحين (83) عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «ما كان
رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يزيدُ في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة». على عدم جواز الزيادة على إحدى عشرة في قيام رمضان، فجوابه أنه إخبار منها رضي الله عنها بما كان عليه صلى الله عليه وسلم في صلاة الليل في أغلب أحيانه، ومع ذلك فكان أحيانًا يزيد على ذلك العدد كما أخبرت بذلك عائشة نفسها رضي الله عنها، فقالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُصلي بالليل ثلاث عشرة ركعة، ثم يُصلي إذا سمع النداء بالصبحِ ركعتين خفيفتين.» وعن عبد الله بن أبي قيس قال: قلتُ لعائشة: بكم كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوتر؟ قالت: كان يُوتر بأربع وثلاث، وست وثلاث، وثمان وثلاث، وعشر وثلاث، ولم يكن يُوتر بأنقص من سبع، ولا بأكثر من ثلاث عشرة. رواه أحمد، وأبو داود وغيرهما (84)
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)