قَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْوَلِيدِالباجي رحمه الله وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي فِي الْآيَةِ الْقَصْرُ الْمَعْرُوفُ لِأَنَّهُ أَظْهَرُ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ {يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ قُلْتُ لِعُمَرَ إنَّمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ الصَّلَاةِ إنْ خِفْتُمْ} وَقَدْ أَمِنَ النَّاسُ فَقَالَ عُمَرُ عَجِبْتُ مِمَّا عَجِبْتَ مِنْهُ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ فَتَأْوِيلُ عُمَرَ وَابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ وَالسَّائِلِينَ لَهُمَا أَنَّ الْآيَةَ تَدُلُّ عَلَى الْقَصْرِ الَّذِي هُوَ رَدُّ الصَّلَاةِ الرُّبَاعِيَّةِ إلَى رَكْعَتَيْنِ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي أُقِرَّ عَلَيْهِ فِي حَالِ الْأَمْنِ.
(فَصْلٌ) : وَإِنَّمَا سَمَّاهَا السَّائِلُ صَلَاةَ الْخَوْفِ لِتَعَلُّقِ حُكْمِ الْقَصْرِ عِنْدَهُ بِالْخَوْفِ وَلَمْ يَجِدْ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى صَلَاةَ السَّفَرِ الْمُطْلَقِ فَلِذَلِكَ طَلَبَ حُكْمَهُ وَهَذَا عَلَى تَأْوِيلِنَا فِي الْآيَةِ فَأَمَّا عَلَى قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ فَإِنَّ صَلَاةَ الْخَوْفِ هِيَ الْمَعْرُوفَةُ وَسَنَذْكُرُ حُكْمَهَا بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ.
(فَصْلٌ) : وَقَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ إنَّ اللَّهَ بَعَثَ إلَيْنَا مُحَمَّدًا وَلَا نَعْلَمُ شَيْئًا يُرِيدُ وَلَا نَعْلَمُ وُجُوبَ شَيْءٍ مِنْ الشَّرَائِعِ وَلَا مَا يَجِبُ مِنْ صِفَاتِهَا وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَشْيَاءَ كُلَّهَا لَا تَجِبُ إلَّا بِالشَّرْعِ دُونَ الْفِعْلِ وَقَوْلُهُ وَإِنَّمَا نَفْعَلُ كَمَا رَأَيْنَاهُ يَفْعَلُ يُرِيدُ أَنَّ قَصْرَهُمْ الصَّلَاةَ فِي السَّفَرِ آمِنِينَ مِمَّا ائْتَسَوْا فِيهِ {بِفِعْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم} وَإِنْ لَمْ تَكُنْ آيَةُ الْقَصْرِ تَتَنَاوَلُهُ فَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّهُ مَرْفُوعٌ إلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ....
(ش) : قَوْلُهُ كَانَ إذَا خَرَجَ حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا خَصَّ سَفَرَهُ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ لِأَنَّهُمَا مِمَّا لَا خِلَافَ فِي قَصْرِ الصَّلَاةِ فِيهِ وَقَوْلُهُ أَنَّهُ كَانَ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ فِي سَفَرِهِ ذَلِكَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: قَدْرُ السَّفَرِ الَّذِي تُقْصَرُ فِي مِثْلِهِ الصَّلَاةُ.
وَالثَّانِي: قَدْرُ الْمَسَافَةِ الَّتِي يَشْرَعُ فِي الْقَصْرِ مِنْهَا
فَأَمَّا قَدْرُ السَّفَرِ الَّذِي تُقْصَرُ فِي مِثْلِهِ الصَّلَاةُ فَإِنَّهُ قَدْ نَصَّ عَلَى أَنَّ السَّفَرَ مِنْ الْمَدِينَةِ إلَى الْحَجِّ تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ وَهَذَا مِمَّا لَا خِلَافَ فِيهِ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي أَقَلِّ مَقَادِيرِ سَفَرِ الْقَصْرِ فَالْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ أَقَلَّ سَفَرِ الْقَصْرِ أَرْبَعَةُ بُرُدٍ وَهِيَ سِتَّةَ عَشَرَ فَرْسَخًا وَهِيَ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ مِيلًا وَإِلَى ذَلِكَ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَرُوِيَ عَنْهُ مَسِيرَةُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ. وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّ مَالِكًا رَجَعَ عَنْهُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا أَنَّ قَوْلَهُ مَسِيرَةُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَمَسِيرَةُ أَرْبَعَةِ بُرُدٍ وَاحِدٌ وَأَنَّ الْيَوْمَ وَاللَّيْلَةَ فِي الْغَالِبِ هُوَ مَا يُسَارُ فِيهِ أَرْبَعَةُ بُرُدٍ فَيَكُونُ مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ تَرْكَ التَّحْدِيدِ بِالْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ أَنَّهُ تَرَكَ ذَلِكَ اللَّفْظَ إلَى لَفْظٍ هُوَ بَيِّنٌ مِنْهُ ...
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)