و قال الخطيب البغدادي رحمه الله في كتابه"الفقيه و المتفقه" (3/ 74) : هذا الحديث محمول على أن تكون الحلقة بقرب الإمام، بحيث يشغل الكلام فيها عن استماع الخطبة، فأما إذا كان المسجد واسعا و الحلقة بعيدة من الإمام، بحيث لا يدركها صوته فلا بأس بذلك. وقد رأيت كافة شيوخنا من الفقهاء، و المحدثين يفعلونه، و جاء مثله عن عدة من الصحابة و التابعين رضي الله عنهم.اهقلت: و سيأتي ذكر من كان يفعل ذلك من السلف إن شاء الله تعالى لاحقا.
-و قيل: إنما المراد النهي عن التحلق للحديث في أمور الدنيا.
قال الشيخ ابن جبرين حفظه الله في كتابه"فصول و مسائل تتعلق بالمساجد" (1/ 38) :
و أما النهي عن التحلق يوم الجمعة قبل الصلاة فيظهر أنهم كانوا يتحلقون في المسجد يتناجون إذا جمعهم المسجد للصلاة، فربما حضرت الصلاة وهم يحلقون، و ذلك مما يشوش على المصلين، حيث أمروا إذا دخلوا في المسجد لصلاة أن يقوموا في الصفوف، و يكملوا الصفوف الأول فالأول، و لا يتفرقون، و ذلك لأن التحلق يشغلهم عن القراءة و التنفل بالصلاة، و يسبب تقطع الصفوف، فيخرج الإمام و هم حلق يتناجون، و قد يكون حديثهم في أمور دنيوية، يتساءلون فيها، لبعد عهدهم بالتلاقي، فيغتنمون ذلك التلاقي، فربما قطع الصفوف، مع كونهم مأمورين بالتبكير يوم الجمعة، و التراص في الصفوف، فالتحلق يخالف هيئة اجتماع المصلين، فمن حضر للصلاة فعليه أن لا يهتم بسواها، فالتحلق فيه غفلة عن الأمر الذي جاؤا لأجله، الذي هو العبادة و الإنصات للخطبة.اهـ
و قال في بعض دروسه (الدرس الخمس من"أصول السنة للإمام أحمد") :
كان الصحابة إذا جاءوا لصلاة الجمعة يكون بعضهم بعيد العهد بإخوته فيتحلقون حلقًا في المسجد، فيرقى النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر و هم لا يزالون حلقًا، هناك حلقة، و هناك حلقة، و هناك أخرى، و هناك رابعة، و هناك خامسة، فنهى عن التحَلُق يوم الجمعة قبل الصلاة، أي: الذي يقصدون به التحدث فيما بينهم، و أمرهم إذا دخلوا للمسجد أن يصفوا صفوفًا، و أن يكونوا صفوفًا على هيئتهم حتى يأتي الإمام و هم على مصافهم، حتى لا يحصل اختلال و اضطراب عندما يريدون أن يأخذوا مصافهم.اهـ
و قال - حفظه الله - في بعض فتاواه (13/ 45) : و قد ورد النهي عن التحلق يوم الجمعة قبل الصلاة. و هو نهي للذين يدخلون المسجد لصلاة الجمعة. نهى عن تحلقهم في نواحي المسجد يتناجون، فيدخل الإمام و هم كذلك، فأمروا بأن يصفوا في أماكنهم للصلاة. اهـ
قلت: و يؤيد هذا التأويل رواية ابن خزيمة و فيها:"نهى النبي صلى الله عليه و سلم ... عن التحلق للحديث يوم الجمعة قبل الصلاة - يعني في المسجد -"
و في"مصنف"ابن أبي شيبة (5408) :"نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحلق للحديث يوم الجمعة قبل الصلاة".
و اللام في قوله:"للحديث"للتعليل. و المعنى منها ظاهر. و الحديث: الكلام الذي يكون بين المتجالسين. كما ورد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم:"سيكون في آخر الزمان قوم يجلسون في المساجد حلقا حلقا إمامهم الدنيا فلا تجالسوهم فإنه ليس لله فيهم حاجة". (الصحيحة رقم 1163)
-و قيل: المراد بالنهي التحلق مطلقا سواء كان للمذاكرة أو للمحادثة أو لغيرهما؛ لأنه يقطع الصفوف و يخل بانتظامها.
قال العراقي: حمله أصحابنا و الجمهور على بابه لأنه ربما قطع الصفوف مع كونهم مأمورين يوم الجمعة بالتبكير و التراص في الصفوف الأول فالأول.
و قال ابن العربي في"عارضة الأحوذي" (2/ 119) : و إنما نهى عن التحلق يوم الجمعة لأنهم ينبغي لهم أن يكونوا صفوفا، يستقبلون الإمام في الخطبة و يعتدلون خلفه في الصلاة.اهـ
و قال التوربشتي - كما في"مرقاة المفاتيح" (3/ 222) : النهي يحتمل معنيين؛ أحدهما أن تلك الهيئة تخالف اجتماع المصلين. و الثاني أن الإجتماع للجمعة خطب جليل عن الأمر الذي ندبوا إليه. اهـ
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)