ليس عندي سخط النوى بعظيم
فيه غم وفيه كشف غموم ... من يكن يكره الفراق فإني
اشتهيه للذة التسليم ... إن فيه اعتناقه لوداع
وانتظار اعتناق لقدوم
وقال بعض الظرفاء من الكتّاب: إن قلت: إني لم أجد للرحيل ألما وللبين حرقة، لقلت: حقا، لأني نلت به العناق وأنس اللقاء ما
كان معدوما أيام الاجتماع.
ومما يليق قول البحتري:
فاحسن بنا والدمع بالدمع واكف
نمازجه والخدّ بالخد ملصق ... وقد ضمّنا وشي الفراق ولفّنا
عناق على أعناقنا ثم ضيق ... فلم نر إلا مخبرا عن صبابة
بشكوى وإلا عبرة تترقرق ... ومن قبل قبل والتّشكّي وبعده
نكاد بها من شدّة اللثم نشرق ... ولو فهم الناس الفراق وحسنه
لحبب من أجل التلاقي التفرق
وقال غيره:
آه من حرّ دمعة المشتاق ... ما ألذّ البكاء عند الفراق ... لذّة الدمع عند بين حبيب ... كعناق الحبيب وقت التلاقي
كان يقال: ما خلق الفراق إلا لتعذيب العشاق.
ويقال: فراق الأحباب، سقام الألباب.
وقال آخر: حق الفراق أن تطير له القلوب، وتطيش معه
العقول، وتطيح عليه النفوس.