فهرس الكتاب

الصفحة 7 من 6723

3 -4 - و (فَلَقِ الصُّبْحِ) بالتَّحريك سيأتي، وحكى الزَّمخشريُّ التَّسكين.

إشارة قال شهاب الدِّين التوربشتيُّ في «شرح المصابيح» (حاصلُ القول في هذا الحديث أن يُقالَ كان النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم مُعْتنيًا [1] بالبلاغ مُكاشفًا بالعلوم الغيبيَّة، وكان يتوفَّر على الأمَّة حصَّتهم بقدر الاستعداد، فإذا أُريد أن يُنَبِّئهم بما لا عهدَ لهم به مِن تلك العلوم؛ صاغ لها أمثلة مِن عالَم الشَّهادة؛ ليعرفوا ممَّا شاهدوا ما لم يُشاهدوا، فلمَّا سأله الصَّحابيُّ عن كيفيَّة الوحي، وكان ذلك مِنَ المسائل العَويصة؛ ضرب لها في الشَّاهد مثلًا بالصَّوت المتدارك الَّذي يُسمَع ولا يُفهَم منه شيء؛ تنبيهًا على أنَّ أنباءها

ج 1 ص 13

يرد على القَلْب في لِبْسة الجَلال، فيأخذ هيبة الخِطاب حين ورودها بمجامع القلب، ويلاقي من ثِقَلِ القول ما لا عِلمَ له بالقول مع وجود ذلك، فإذا كُشف عنه وجد القول المنزَّل بيِّنًا فيُلقى في الرُّوع واقعًا موقعَ المسموع، وهذا معنى قوله (فيفصم عنِّي) .

وهذا الضَّرب مِنَ الوحي شبيهٌ بما يُوحَى إلى الملائكة، وقد تبيَّن لنا مِن هذا الحديث أنَّ الوحي كان يأتيه على صِنْفين أولاهما أشدُّ مِنَ الأخرى، وذلك لأنَّه كان يَرِدُ فيها مِنَ الطِّباع البشريَّة إلى الأوضاع المَلَكيَّة، فيُوحَى إليه كما يُوحَى إلى الملائكة، والأخرى يَرِدُ فيهَا المَلَك إلى شكل البشر وشاكلته، وكانت هذه أيسر) [2] ، انتهى.

اعلم أنَّ في كيفيَّة نزول الوحي عليه عليه الصَّلاة والسَّلام تسع صورٍ ذكرها السُّهَيليُّ [3] .

فائدة ذُكِرَ في هذا الحديث حالتين مِن أحوال الوحي؛ وهما مثل صَلصَلة الجرس، وتمثُّل الملَك رجلًا، ولم يذكر الرُّؤيا الصَّالحة مع إعلامه لنا أنَّ رؤياه حقٌّ؛ لوجهين

أحدهما أنَّ الرُّؤيا الصَّالحة قد يشْركُه فيها غيره، بخلاف الأوَّلين، أو لعلَّه عَلِمَ أنَّ قصد السَّائل بسؤاله ما خُصَّ به ولا يُعرَف إلَّا من جهته [4] .

وقال غيره اقتضى هذا الحديث أنَّ الوحيَ منحصرٌ في الحالتين المذكورَتين، وأورد في ذلك حالاتٍ أخرى، إمَّا مِن صفة الوحي؛ كمجيئه كدَوِيِّ النَّحل، أو النَّفث في الرَّوع والإلهام والرُّؤيا الصَّالحة، والتَّكلُّم ليلة الإسراء بلا واسطة، وإمَّا مِن صفة حامل الوحي؛ كمجيئه في صورته الَّتي خُلِقَ عليها له ستُّ مئة جناح، ورؤيته على كرسيٍّ بين السَّماء والأرض وقد سدَّ الأفق ونحوه قد مر.

فالجواب منع الحصر في الحالتين المقدَّم ذكرها، وحملِها على الغالب، أو حمل ما يغايرهما على أنَّه وقع بعد السُّؤال، أو لم يتعرَّض لصِفَتَي المَلَك المذكورتين؛ لندورهما، فقد ثبت عن عائشة أنَّه لم يره كذلك إلَّا مرَّتين، أو لم يأته في تلك الحالة بوحي، أو أتاه به فكان على مثل صَلصَلة الجرس، فإنَّه بيَّن بها صفة الوحي لا صفة حامِلهِ.

وأمَّا فنون الوحي فدويُّ النَّحل لا يعارض صَلصَلة الجرس؛ لأنَّ سماع الدَّويِّ بالنِّسبة للحاضرين؛ كما في حديث عمر (نسمع عنده كدويِّ النَّحل) والصَّلصَلة بالنِّسبة له عليه السَّلام، فشبَّهه عمر بدويِّ النَّحل بالنِّسبة للسَّامع، وشبَّهه هو عليه السَّلام كصلصلة الجرس بالنِّسبة إلى مقامه، وأمَّا النَّفث في الرَّوع؛ فيحتمل أن يرجع إلى إحدى الحالتين، فإذا أتاه المَلَك في مثل صلصلة الجرس يقف حينئذٍ في روعه، وأمَّا الإلهام فلم يقع السُّؤال عنه لأنَّ السُّؤال وقع عن صفة الوحي الَّذي يأتي بحامل، وكذا التَّكليم ليلة الإسراء، وأمَّا الرُّؤيا الصَّالحة؛ فقال ابن بطَّال (لا تُرَدُّ لأنَّ السُّؤال وقع عمَّا ينفرد به عن النَّاس، لأنَّ الرُّؤيا قد يَشركه فيها غيره) [5] انتهى.

والرُّؤيا الصَّادقة وإن كانت جزءًا مِنَ النُّبوَّة فهي باعتبار صدقها لا غيره، وإلَّا لساغ لصاحبها أن يُسمَّى نبيًّا وليس كذلك، ويُحتمَل أن يكون السُّؤال وقع عمَّا في اليقظة، أو لكونِ حال المنام لا يخفى على السَّائل، فاقتصر على ما يخفى عليه، أو كان ظهور ذلك له عليه السَّلام في المنام أيضًا على الوجهين المذكورين لا غير؛ قاله الكرمانيُّ، وفيه نظرٌ.

وقد ذكر الحَليميُّ (أنَّ الوحي كان يأتيه على ستَّةٍ وأربعين نوعًا فذكرها وغالبها مِن صفات حامل الوحي، ومجموعها يدخل فيما ذكر) [6] ، والله تعالى أعلم، وتقدَّم.

قوله (مِثْلَ) منصوبٌ على الحال.

فائدة قوله (مِنَ الوَحْيِ) (مِن) لبيان الجنس؛ كأنَّها قالت مِن جنس الوحي، وليست الرُّؤيا مِنَ الوحي حتَّى تكون (مِن) للتَّبعيض؛ قاله القزَّاز وردَّه عياض [7] ، أو للتَّبعيض.

فائدة إنَّما عَبَّرت عن صدق الرُّؤيا بـ (فَلَقِ الصُّبح) ولم تُعَبِّر بغيره؛ لأنَّ شمسَ النُّبوَّة كان مبادئ أنوارها الرُّؤيا إلى أن تمَّ نورُهَا، وظهرت أشعَّتها [8] .

قوله (فَلَقِ الصُّبْحِ) (فَلَقه) و (فَرَقه) بفتح أوَّلاهما وثانيهما ضياؤه، وإنَّما يُقال هذا في الشَّيء البيِّن الواضح، قيل هو مصدرٌ كالانفلاق، والصَّحيح أنَّه بمعنى المفلوق، وهو اسم للصُّبح، فأُضيفَ أحدهما إلى الآخر؛ لاختلاف اللَّفظين، وقد جاء الفَلَقُ منفردًا عن الصُّبح، قال تعالى {قُلْ أَعُوْذُ بِرَبِّ الفَلَقِ} [الفلق1] .

وقيل (الفَلَقُ) الصُّبح، لكنَّه لمَّا كان مستعمَلًا في هذا المعنى وفي غيره؛ أُضِيفَ إليه للتَّخصيص والبيان إضافة العامِّ إلى الخاصِّ؛ كقوله (عين الشَّيء نفسُه) [9] .

فائدة حقيقةُ الرُّؤيا الصَّالحة أنَّ الله تعالى يخلق في قلب النَّائم أو في حواسِّه الأشياء كما يخلقها في اليقظان، وهو سبحانه يفعل مَا يشاء، لا يمنعه نومٌ ولا غيره، فربَّما يقع ذلك في اليقظة كما رآه في المنام، وربَّما جعل ما رآه علمًا على أمور أُخَر يخلقها في ثاني الحال، أو كان قد خلقها، فيقع ذلك كما جعل الله تعالى الغيم علامةً للمطر.

[فائدة قال العلماء إنَّما ابتدأ بالرُّؤيا لئلَّا يفجأه الملَك ويأتيه بصريح النُّبوَّة بغتةً، فلا تحتملها القوى البشريَّة، فبُدِئ بأوائل خصال النُّبوَّة وتباشير الكرامة مِن صدق الرُّؤيا، وحبِّ العُزْلة والتَّعبُّد ومواظبة الصَّبر عليه [10] .

فائدة قال الخطَّابيُّ (حُبِّبَت العزلة إليه؛ لأنَّ فيها فراغُ القلب، وهي معينة على التفكُّر، وبها ينقطع عن مألوفات البشر ويجمع قلبه، وهو مِن جملة المقدِّمات الَّتي أُرهِصَت لنبوَّته، وجُعِلَت مبادئ لظهورها) [11] ، وسيأتي كلام غيره] [12] .

قوله (وَهُوَ) أي (التَّحنُّث) ، فالضَّمير راجعٌ إلى ما دلَّ عليه لفظ (فيتحنَّث) ، وهو كقوله {اعْدِلُوْا هُوَ أَقْرَبُ لِلْتَّقْوَى} [المائدة8] .

وقال الكرمانيُّ (التَّفسير اعتُرِضَ مِن كلام عائشة، وهو أيضًا مِن كلامها ظاهرًا) [13] .

الطَّيبيُّ (ويُحتمَل أن يكون التَّفسير مِن قول الزُّهريِّ أدرجه في الحديث، وذلك مِن دأبه) [14] .

وقال ابن الملقِّن (يُحتمَل أن يكونَ مِن تفسير عائشة، وأن يكون مِن تفسير مَن دونها) [15] .

وقال والدي رحمه الله تعالى (الَّذي ظهر لي أنَّ الَّذي ينبغي أن يُقالَ إنَّه يُحتمَل أن يكونَ هذا التَّفسير مِن عائشة، أو مِن عروة الرَّاوي عنهَا، أو مِن ابنِ شهاب، ولا يكون ممَّن دون هؤلاء؛ وذلك لأنَّ مداره على الزُّهريِّ فيما أعلم، وأصحاب الزُّهريِّ غالبهم رواة عنه كذلك، وبعضهم اختصر الحديث فلم يذكر منه إلَّا قطعةً يسيرة) [16] .

ج 1 ص 14

و (اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ العَدَدِ) منصوب على الظَّرف، و (ذوات) بكسر التَّاء علامة النَّصب، وهو متعلِّق بـ (يتحنَّث) لا بالتَّعبُّد؛ لأنَّه يفسد؛ إذ (التَّحنُّث) لا يُشتَرط فيه اللَّيالي، بل يُطلَق على القليل والكثير.

فائدة أطلق اللَّيالي وأراد بها اللَّيالي مع أيَّامهنَّ على سبيل التَّغليب؛ لأنَّها أنسب للخلوة، و (ذوات العدد) عبارة عنِ القِلَّة؛ نحو {دَرَاهِمَ مَعْدُوْدَةٍ} [يوسف20]

وأقول ويحتمل أن يراد بهما الكثرة؛ إذ الكثير يحتاج إلى العدد لا القليل وهو المناسب للمقام.

قوله (حِرَاءٍ) هو بكسر الحاء وتخفيف الرَّاء والمدِّ جبل بين مكَّة ومنًى، ثلاثة أميال على يسار المسافر مِن مكَّة إلى منًى، مصروفٌ لأنَّه مذكَّر، ومنهم مَن أنَّثه ومنع صرفه، وهذه قاعدة كلِّيَّة إن جعلتَ اللَّفظ عَلَمًا للبقعة؛ فهو غير مصروف، وإن جعلته للمكان ونحوه فهو منصرفٌ.

الخطَّابيُّ (يخطئون به في ثلاثة مواضع يفتحون الحاء وهي مكسورة، ويكسرون الرَّاء وهي مفتوحة، ويقصرون الألف وهي ممدودة) [17] .

التَّيميُّ (العامَّة لَحَنت في ثلاثة مواضع؛ فتح الحاء وقصر الألف وترك صرفهِ وهو مصروفٌ في الاختيار؛ لأنَّه اسم جبل) [18] .

أقول إذا جمعنا بين كلاميهما يلزم اللَّحن في أربعة مواضع، وهو مِنَ الغرائب؛ إذ بعدد كلِّ حرفٍ لحنٌ، ولقائل أن يقول كسر الرَّاء ليس بلحنٍ؛ لأنَّه بطريق الإمالة [19] .

قال في «الفائق» مصروف، ومنهم مَن يُؤنِّثه ولا يَصْرفه، وللنَّاس فيه ثلاث لحنات يَفْتحون حاءه وهي مكسورة، و يقصرون ألفه وهي ممدودة ويُمِيلونها، ولا تسوغ الإماله؛ لأنَّ الرَّاء سبقت الألف مفتوحة، وهي حرف مكرَّر، فقامت مقام الحرف المستعلي، ومثل راشدٌ ورافعٌ لا يُمال.

إشارة قرأت في «سيرة ابن هشام» العرب تقول (التَّحنُّث والتَّحنُّف يريدون الحنيفيَّة، فيُبدِلون الفاء مِنَ الثَّاء؛ كما قالوا جدف وجدث، يريدون القبر، وحدَّثني أبو عبيدة أنَّ العرب تقول فمَّ، في موضع «ثمَّ» ، يبدلون الفاء من الثَّاء) [20] ، انتهى.

التَّيميُّ (هذا مِنَ المشكلات، ولا يهتدي له سوى الحُذَّاق، وسُئل ابن الأعرابيِّ عن(يتحنَّث) فقال لا أعرفه، وسألتُ أبا عمروٍ الشَّيبانيَّ فقال لا أعرف يتحنَّث إنَّما هو تصحيفٌ مِنَ الحنيفيَّة) [21] .

فائدة قال الخطَّابيُّ (التَّحنُّث نظيره في الكلام التَّحوُّب والتَّأثُّم؛ أي ألقى الحُوبَ والإثم عن نفسه بالعبادة، قالوا وليس في كلامهم «تفعَّل» لهذا المعنى غير هذا) [22] .

أقول هذه شهادة نفيٍ [كيف] وقد ثبت في الكتب الصَّرفيَّة (تحرَّج وتخوَّن) ؛ أي اجتنب الحَرَج والخيانة وغير ذلك [23] انتهى.

الحاصل مِن ذلك ثمانية ألفاظ تخفَّف وتأثَّم وتحرَّج وتحوَّب [24] وتهجَّد وتنجَّس وتعذَّر وتحنَّف.

فائدة تعبُّده يُحتمَل أن يكون بمقتضى العَقْل على قول مَن قال بقاعدة الحُسن والقُبح العقليِّين، ويحتمل أن يكون مِن شرعِ نفسِه، الحاصل مِنَ الرُّؤيا، بدليل (ثمَّ حُبِبَ إليه الخلاء) ، ذكرَه بلفظ (ثمَّ) الدَّالِّ على التَّراخي.

إن قلت التَّعبُّد في الغار أهو بسبب أنَّه كان عليه السَّلام متعبِّدًا بشرع مَن قبله أم لا؟

قلتُ يُحتَمَل أن يكون مِنَ الشَّرع السَّابق؛ إذ المختار عند الأصوليِّين أنَّه متعبِّد قبل البعثة بالشَّرع السَّابق فيها بشرع نوح، وقيل بشرع إبراهيم، وقيل موسى، وقيل عيسى، وقيل ما ثبت أنَّه شرع، ولو حملناه على اجتنابه عن الحرجِ الَّذي كان يرتكبه أهل الجاهليَّة؛ لكان أظهر منه، والله أعلم [25] .

[تنبيه قال النَّوويُّ (هذا الحديث مِن مراسيل الصَّحابة، فإنَّ عائشة لم تدرك زمان وقوع هذه القصَّة، ومرسل الصَّحابة حجَّة عند جميع العلماء إلَّا ما انفرد به أبو إسحاق الإسفراينيُّ، فتكون سَمِعَتْها مِنَ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أو مِن صحابيٍّ آخر) [26] .

وقال الطَّيبيُّ (الظَّاهر أنَّها سَمِعَت النَّبيِّ عليه السَّلام؛ لقولها «قال فأخذني فغطَّني» ، فيكون قولها «أوَّل ما بُدئ به رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم» حكايةَ ما تلفَّظ به؛ كقوله تعالى {قُلْ لِلَّذِيْنَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُوْنَ} [آل عمران12] بالتَّاء والياء [27] ) [28] ، انتهى.

واختار البلقينيُّ أنَّه ليس بمرسلٍ؛ حكاه شيخنا في «فتحه» [29] .

فائدة الرُّؤيا مصدرٌ كـ (الرُّجْعى) مَصْدر (رَجَعَ) ، ويختصُّ برؤيا المنام كما اختصَّ الرأي بالقلب والرُّؤية بالعين، وفيه تصريحٌ مِن عائشة بأنَّ رؤياه عليه السَّلام مِن جملة أقسام الوحي، وهذا متَّفق عليه، وهنا (الصَّالحة) وفي (التَّعبير) (الصَّادقة) ، وهما بمعنًى، و (الصَّالحة) ؛ إمَّا صفة موضِّحة للرُّؤيا لأنَّ غير الصالحة تُسَمَّى بـ (الحلم) ، وإمَّا مخصَّصة؛ أي الرُّؤيا الصَّالحة لا الرُّؤيا السَّيِّئة ولا الكاذبة المسمَّاة بـ (أضغاثِ أحلام) والصَّلاح إمَّا باعتبار صورتها وإمَّا باعتبار تعبيرها، ويُحتمَل أنَّ المراد صحَّتها، قال ورؤيا السُّوء تحتمل الوجهين أيضًا سوء للظَّاهر، وسوء التَّأويل.

قوله (رُؤْيَا) بغير تنوين مثل (حُبلى) ] [30] .

قال بعضهم وإنَّما حُبِّبَ إليه الخلاء؛ لأنَّ معها فراغ القلب، وهي مُعينةٌ على الفكر، والبشر لا ينتقل عن طباعه إلَّا بالرِّياضة البليغة، فحُبِّبَ إليه الخلوة لينقطع عن مخالطة البشر فينسى المألوفات مِن عبادته، فيجد الوحي منه مرادًا سهلًا، لا حَزْنًا وعِرًا، ولمثل هذا المعنى كانت مطالبة المَلَك له بالقراءة وضغطه [31] ، وتحبيبها قيل إنَّه مِن وحي الإلهام، فكان يخلو بغار حراء اعتبارًا وفكرةً؛ كاعتبار إبراهيم عليهما السَّلام؛ لمناجاة ربِّه والضَّراعة إليه، ليُريَه السَّبيلَ إلى عبادته على أصحِّ إرادته [32] ، انتهى.

فائدة إنَّما تعبَّد بحراء دون غيره؛ لأنَّه نادى [33] حين قال له ثبير اهبط عنِّي فإنِّي أخاف أن تُقتل على ظهري فأُعذَّب، أو لأنَّه يرى الكعبة منه.

قوله (يَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ) بالرَّفع عَطَفَهُ على (يتحنَّث) ؛ أي الخلوة أو التَّعبُّد؛ قاله الكرمانيُّ [34] .

قوله (فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا) قيل للفَعْلَة أو الخلوة أو العبادة أو السَّنَة، ورجَّحه البلقينيُّ ثمَّ ظهر لي أنَّ خلوته عليه السَّلام كانت شهرًا، كان يتزوَّد لبعض ليالي الشَّهر، فإذا نفد ذلك الزَّاد؛ رجع إلى أهله يتزوَّد قدر ذلك؛ مِن جهة أنَّهم لم يكونوا في سَعَةٍ [35] .

وقال ابن الملقِّن (الضَّمير في «مثلها» يعود للَّيالي) [36] .

قوله (فَجَاءَهُ المَلَكُ) إن قلت مجيء الملَك ليس بعد مجيء الوحي بل هو نفسه؛ إذ [37] المراد بمجيء الوحي مجيءُ حامل الوحي؛ أي الملك، فما معنى الفاء التَّعقيبيَّة؟

قلتُ هذه الفاء تُسمَّى بالفاء التَّفسيريَّة؛ نحو قوله تعالى {فَتُوْبُوْا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوْا أَنْفُسَكُمْ} [البقرة54] ؛ إذ القتل نفس التَّوبة على أحد التَّفاسير، وتُسمَّى التَّفصيليَّة أيضًا؛ لأنَّ مجيء الملَك إلى آخره تفصيلٌ للمجمل الَّذي هو مجيء الحقِّ، ولا شكَّ أنَّ المفصَّل نفس المجمل [38] .

وقال شيخنا هل الفاء للتَّفسير أو التَّعقيب أو السَّبب؟ ومالَ إلى الثَّالث، ومعناه أي حتَّى قضى بمجيء الوحي؛ فبسبب ذلك جاءه الملك، وقال أنَّه أقرب من الثَّاني [39] .

فائدة قال الطَّيبيُّ (معنى «جَاءَهُ الحَقُّ» ؛ أي جاءه أمرُ الحقِّ وهو الوحي، أو رسول الحقِّ وهو جبريل عليه [40] السلام) [41] .

وقال ابن الملقِّن (أي الأمر الحقُّ، وهو الوحي) [42] .

وفي «الفتح» (أي الأمر البيِّن الظَّاهر، أو المراد الملَك بالحقِّ؛ أي الأمر الَّذي بُعث به) [43] .

قوله (مَا أَنَا بِقَارِئٍ) قيل (مَا) استفهاميَّة، وقيل (لست بقارئ) لأنَّه أُمِّيٌّ لا يقرأ الكتب ولا يكتب، وهذا هو الصَّواب، ورواية أبي نعيم تؤيده [44] ، لأنَّ الباء تمنع مِن كونها استفهامًا [45] ، وقيل الباء زائدة، وعلى قولنا إنَّها نافية وهو الصَّحيح، فاسمها (أنا) ، و (بقارئ) الخبر.

فائدة ظاهره أنَّ ذلك كان يقَظَة، وفي السِّيرة (فأتاني وأنا نائم) [46] ، ويمكن الجمع بأنَّه جاءه أوَّلًا منامًا توطئةً وتيسيرًا

ج 1 ص 15

عليه ورفقًا به.

إن قيل لِمَ كرَّر نفيَ القراءة في المرَّات الثَّلاث، ولم يلزمه في المرَّة الأولى؟

أجاب أبو شامة بأنه يحتمل قوله أوَّلًا «ما أنا بقارئ» على الامتناع، وثانيًا على الإخبار بالنَّفي المحض، وثالثًا على الاستفهام، ويؤيِّده أنَّ في رواية أبي الأسود في «مغازيه» عن عروة أنَّه قال في الثَّالثة «كيف أقرأ» [47] ، وفي رواية عُبَيد بن عُمَيْر عند ابن إسحاق «ماذا أقرأ؟» [48] ، وفي مرسل الزُّهريِّ في «دلائل البيهقيِّ» «كيف أقرأ» [49] ، وذلك يؤيِّد أنَّها استفهاميَّة [50] .

فائدة (الجَهْدَ) بفتح الجيم وضمِّها، و يُروَى بنصب الدَّال ورفعها [51] ، ومعناه الطَّاقة والمشقَّة، وعلى الرَّفع معناه بَلَغَ الجهدُ مبلَغَه؛ فحذف (مبلغه) ، وعلى النَّصب معناه بلغ الملَك منِّي الجهدَ، والحكمة في الغطِّ شغله عن الالتفات، والمبالغة في أمره بإحضار قلبه لِمَا يقوله له، وكرَّره ثلاثًا مبالغةً في التنبيه.

وفيه أنَّه ينبغي للمعلِّم أن يُحتَاط في تنبيه المتعلِّم والإحضار بمجامع قلبه.

وقيل الحكمة في غطِّه ثلاثًا إشارة إلى أنَّه يُبتلى بثلاث شدائد ثمَّ يأتي الفرج.

وقال ابن الملقِّن(وفيها وجهان أحدهما أنَّ البشريَّة فيهَا عوالم مختلفة منهَا العقل، وموافقة الملك، ومنها النفس والطَّبع والشَّيطان وموافقتهم الهوى والغَفْلة والعادة المذمومة، وهي أشدُّهَا؛ لقول الأمم الماضية {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ} [الزُّخرف22] .

وقد قال الأطبَّاء إنَّ العادة طبعٌ خامسٌ، فكانت تلك الغطَّات مُذهبة لتلك الخصال الثَّلاث وموافقيها، وبقي العَقْل والملَك اللَّذَيْن هما قابلان للحقِّ والنُّور، وإن كان عليه السَّلام مطهَّرًا مِن الشَّيطان، ومثل ذلك قوله تعالى {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [المدثر4] وثيابه لا شكَّ في طهارتها على كلِّ تأويل، لكن هذا مقتضى الحكمة في تكلُّف البشريَّة وترقِّيها.

الثَّاني أنَّ الإيمان على ثلاث مراتب إيمانٌ وإسلامٌ وإحسانٌ، فكانت تلك الغطَّات مبالغة في التَّحلِّي بكلِّها، لأنَّ إيمانهم أقوى مِن إيمان أتباعهم؛ لعُلُوِّ مقامهم) [52] انتهى.

وقيل شبَّه أنَّ التَّخييل والوسوسة إنَّما تقع بالنُّفوس لا بالجسم، فوقع ذلك بحسبه؛ ليعلم أنَّه مِنَ الله تعالى.

التوربشتيُّ (لا أرى الذي يَروي بنصب الدال إلَّا قد وَهِمَ فيه، أو جوَّزه بطريق الاحتمال، فإنَّه إذا نصب الدَّال؛ عاد المعنى إلى أنَّه غطَّه حتَّى استفرغ قوَّته في ضغطه، وجَهَدَ جَهْدَه بحيث لم يَبقَ فيه مزيدٌ، وهذا قولٌ غيرُ سديدٍ؛ فإنَّ البُنيةَ البشريَّةَ لا تشتدُّ على استفراغ [53] القوَّة المَلَكيَّة، لا سيَّما في مبدأ الأمر، وقد دلَّتِ القصَّة على أنَّه اشمأزَّ مِن ذلك وتَداخَلَه الرُّعب) [54] .

الطِّيبيُّ (لا شكَّ أنَّ جبريل في حالة الغطِّ لم يكن على صورته الحقيقيَّة التي تجلَّى بها عند سِدْرة المُنْتهى، وعندما رآه مستويًا على الكرسي، فيكون استفراغ جهده بحسب صورته التي تجلَّى له وغطَّه بها، وإذا صحَّتِ الرواية؛ اضمحلَّ الاستبعاد) [55] ، انتهى.

قال شيخُنا في «فتحه» (ومَا المانع أن يكون قوَّاه الله تعالى على ذلك، ويكون مِن جملة معجزاته؟) [56]

قوله تعالى {اِقْرَأ بِسْمِ} [العلق1] إنَّما قدَّم الفعل؛ لأنَّه أوقع؛ لأنَّها أوَّل سورة نزلت، فكان الأمر بالقراءة أهمُّ، و العامَّة على سكون الهمزة أمرًا مِنَ القراءة، وعاصم في رواية الأعشى براءٍ مفتوحةٍ، والباء للحال؛ أي اقرأ مفتتحًا باسم ربِّك، قل باسم الله ثمَّ اقرأ، أو مزيدة، أو للاستعانة، والمفعول محذوف تقديره اقرأ ما يُوحَى إليك مستعينًا باسم ربِّك.

و (خَلَقَ) الثَّانية تفسيرًا لـ (خلق) الأولى؛ يعني أنَّه أبهمه أوَّلًا ثمَّ فسَّره ثانيًا بـ {خَلَقَ الإِنْسَانَ} [العلق2] ، تفخيما لخلق الإنسان، ويجوز أن يكون حذف المفعول مِنَ الأوَّل، تقديره خلق كلَّ شيء؛ لأنَّه مطلق، فتناول كلَّ مخلوق.

إشارة استدلَّ بهذا الحديث مَن يقول إنَّ البسملة ليست قرآن في أوائل السُّور؛ لكونها لم تُذكَر هنا، والجواب أنَّها لم تَنْزل أوَّلًا، بل نزلت البسملة في وقت آخر، أي في قوله (اقرأ) أمر بإيجاد القراءة مطلقًا، وهو لا يختصُّ بمقروءٍ دون مقروء.

وقوله (بِاسْمِ رَبِّكَ) حال؛ أي اقرأ مفتتحًا باسم ربِّك؛ أي قل بسم الله الرَّحمن الرَّحيم واقرأ، وهذا يدلُّ على أنَّ البسملة مأمور بقراءتها في ابتداء كلِّ قراءة، فتكون قراءتها مأمورة في ابتداء هذه السُّورة أيضًا.

قوله {رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} وصف مناسب مُشعر بعليَّة الحكم بالقراءة، والإطلاق في (خَلَقَ) أوَّلًا على منوال يعطي ويمنع، وجعله توطئةً لقوله {خَلَقَ الإِنْسَانَ} [العلق2] ؛ إيذانًا بأنَّ علية الإنسان أشرف المخلوقات، ثمَّ الامتنان بقوله {عَلَّمَ الإِنْسَانَ} [العلق5] يدلُّ على أنَّ العلم أجلُّ النِّعم.

وقوله {خَلَقَ الإِنْسَانَ} تخصيص له

ج 1 ص 16

بالذِّكر مِن بين ما يتناوله الخلق؛ لأنَّ البديل إليه، ويجوز أن يكون تأكيدًا لفظيًّا، فيكون قد أكَّد الصِّفة وحدها، كقولك للَّذي قام قام زيد، والمراد بـ {الإنسان} الجنس، ولذلك قال {مِنْ عَلَقٍ} جمع علقة؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ مخلوق مِن علَّة كما في الآية الأخرى.

قال السُّهَيليُّ (ومعني قوله {باسم ربِّك} ؛ أي إنك لا تقرؤه بحولك، ولكن اقرأه مفتتحًا باسم ربك مُسْتعينًا به، فهو يعلِّمك كما خلقك، وكما نزع عنك علق الدم، ومغمز الشَّيطان بعدما خلقه فيك كما خلقه في كلِّ إنسان، فالآيتان المتقدِّمتان لمحمَّد عليه السَّلام، والأخيرتان لأمَّته، وهما قوله تعالى {الَّذِيْ عَلَّمَ بِالقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} لأنَّها كانت أمَّةً أميَّة لا تكتب فصاروا أهل كتاب وأصحابَ علمٍ، فتعلَّموا القرآن بالقلم، وتعلَّم نبيُّهم عليه السَّلام تلقينًا مِن جبريل عليه السَّلام نزَّله على قلبه ليكون مِنَ المرسلين) [57] ، انتهى.

تنبيه وجه المناسبة بين الخلق مِنَ العلق والتَّعليم بالقلم أنَّ أدنى مراتب الإنسان يكون علقةً، وأعلاها كونه عالمًا، فالله سبحانه امتنَّ على الإنسان بنقله مِن أخسِّ المراتب _وهي العلقة_ إلى أعلاها وهي العلم.

فائدة ظاهره أنَّه لم يتقدَّم منه سلامٌ قبل هذه الكلمة، ويُحتمَل أن يكون سلَّم، وحُذِفَ ذكرُه للعهد، فقد سلَّمت الملائكة على إبراهيم حين دخلوا عليه، ويُحتمَل أَنَّه لم يكن سلَّم؛ لأنَّ المقصود حينئذٍ تفخيم الأمر وتهويله، وقد يكون مشروعيَّة السَّلام تتعلَّق بالبشر لا بالملائكة، وإن وقع ذلك في بعض الأحيان.

قلتُ والحالة الَّتي سلَّموا فيها على إبراهيم كانوا في صورة البشر، فلا تَرِدُ هنا ولا يَرِدُ سلامُهم على أهل الجنَّة؛ لأنَّ أمور الآخرة مغايرة لأمور الدُّنيا غالبًا، وفي رواية الطيالسيِّ أنَّ جبريل سلَّم أوَّلًا [58] ، ولم يُنْقَلْ أنَّه سلَّم عند الأمر بالقراءة [59] .

فائدة الشَّهر الَّذي جاءه جبريل فيه بالوحي رمضان، وسِنُّه الشَّريف أربعون سنةً، قيل ويوم، وقيل عشرة أيَّام، وقيل وشهران، قيل وسنتان، قيل وثلاثة، قيل وخمس، وذلك يوم الاثنين نهارًا، وكان في رمضان سابع عشر، وقيل سابع، وقيل رابع عشر، وقيل الشَّهر ربيع الأوَّل، وقيل رجب.

قوله (فَرَجَعَ بِهَا) أي صار بسبب تلكَ الضَّغطة يَضْطرب فؤاده منها [60] ، قال الكرمانيُّ ( «بها» أي بالآيات وهو وقوله {اقرأ} إلى آخرهنَّ) [61] .

وقوله (يَرْجُفُ فُؤَادُهُ) الظَّاهر أنَّ خديجة رأته حقيقةً، ويجوز أنَّها لم تره وعلمته بقرائن الحال، أو أخبرها النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم.

فائدة (الفُؤَادُ) القلب أو غيره أو نياطه أو غشاؤه، وإنَّما لم يقل قلبه؛ لأنَّ الفؤاد _على قول بعض أهل اللُّغة_ هو وعاء القلب [62] ، فإذا حصل للوعاء الرَّجفان؛ حصل لما فيه، فيكون في ذكره مِن تعظِيم الأمر مَا ليس في غيره.

قوله (لَقَدْ خَشِيْتُ عَلَى نَفْسِي) اللَّام جواب القسم المحذوف؛ أي والله لقد خشيت.

قال الكرمانيُّ (ذِكره «لقد خشيتُ على نفسي» بعد قوله(يرجف) يدلُّ على انفعالٍ حَصَلَ له من الضَّغط، فخشي على نفسه مِن ذلك أمرًا توهَّم منه؛ كما يحصل للبشر إذا دهمه أمر لم يُعْهد به، ومِن ثمَّة قال (زَمِّلُونِي) .

وأقول ويُحتمَل أن يكون المراد خشيتُ شبه جنون على نفسي؛ لما روى صاحب «الغَريبينِ» أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال لخديجة «أظنُّ أنَّه عرض لي شبه جنون» [63] ) [64] انتهى.

قال شيخنا(هذه الخشية اختلف العلماء فيها على اثني عشر قولًا

أحدها الجنون، وأن يكون ما رآه من جنس الكهانة، جاء مصرَّحًا به في عدَّة طرق، وأبطله ابن العَربيِّ، ثانيها الهاجسُ؛ وهو باطل أيضًا؛ لأنَّه لا يَسْتقرُّ، وهذا استقرَّ وَحَصَلَ بينهما المراجعة، ثالثها الموت مِن شدَّة الرُّعب، رابعها المرض، خامسها دوام المرض، سادسها العجز عن حمل أعباء النُّبوَّة، سابعها العجز عنِ النَّظر إلى الملك، ثامنها عدم الصَّبر على أذى قومه، تاسعها أن يقتلوه، عاشرها مفارقة الوطن، حادي عشرها تكذيبهم إيَّاه، ثاني عشرها تعييرهم، قال شيخنا في «فتحه» وأولاها بالصَّواب الثاني والثالت وما عداها فهو معترض) [65] ، وقوله (والثَّاني) كذا أوجدته في نسخة، وهو لا يستقيم مع مَا تقدَّم من بطلانه.

وقال والدي رحمه الله تعالى (ليس معناه الشَّكُّ في أنَّ ما أتاه مِن الله تعالى، لكنَّه خشي ألَّا يقوى على مقاومة هذا الأمر، ولا يُطيق حَمْلَ أعباء الوحي، فتزهقَ نفسُه وينخلع قلبه؛ لشدَّة مَا لقيه أوَّلًا عند لقاء الملك، وذكر عياض احتمالين فيه _هذا أوَّلها_ في «شرح مسلم» وفي «الشِّفا» [66] ، وقال الشَّيخ محي الدِّين «والاحتمال الثَّاني ضعيف» [67] ، انتهى، فلهذا حذفته أنا) [68] ، انتهى كلام والدي، وتكلَّم على هذه الخشية في «روحه»

قوله (كَلَّا) معناها النَّفي والإبعاد، ولها معاني أُخَر.

(يُخْزِيْكَ) في هامش أصل قرئ على شيخ والدي لم يُر المشهور في الرِّواية بفتح الياء، وهو الصَّحيح في اللُّغة، وقيل بالضَّمِّ، وفي الهامش (يَحزنك) وكتب بفتح الياء وكسرها لغتان فصيحتان قُرِئَ بهما في السَّبع [69] ، انتهى، وقد حسَّن ابن قرقول هذا التَّأويل فانظره [70] .

قال الكرمانيُّ (بضمِّ الياء والحاء المعجمة، مِن «الخزي» ؛ وهو الفضيحة والهوان) [71] .

ورواه مسلم (يحزنك) أيضًا بالحاء المهملة، مِنَ (الحزن) ، ويجوز على هذا فتح الياء وضمِّها، يُقال أحزنه وحزنه، لغتان فصيحتان قُرِئَ بهما في السَّبع.

قوله (أَبَدًا) منصوبٌ على الظَّرف.

قوله (إِنَّكَ لَتَصِلُ) بالكسر على الابتداء.

قوله (تُكْسِبُ المَعْدُوْمَ) اختار المزيُّ أنَّ المراد بـ (المعدوم) ههنا المال المُعطَى؛ أي يعطي المال لِمَن هو عادمه [72] .

الكرمانيُّ(بفتح التاء وهو المشهور، ورُوِيَ بضمِّها، ومعنى المضموم تُكسِب غيرك المال المعدوم؛ أي تعْطيه المال المعدم، فحذف أحد المفعولين، وقيل تعطي النَّاس ما لا يجدونه عند غيرك مِن مكارم الأخلاق، وأمَّا المفتوح؛ فقيل معناه كمعنى المضموم، يُقال كَسبْتُ الرَّجلَ مالًا، وأَكْسَبتُه مالًا، واتَّفقوا على أنَّ أكسبته مالًا أفصح، وقيل معناه يكسب المال المعدوم، وتصيب منه ما يعجز غيرك عن تحصيله، وكانت العرب تَتَمَادَحُ بكسب المال، لا سيَّما قريش، وكان الشَّارع محظوظًا في تجارته.

وضعَّفه النَّوويُّ؛ بأنه لا معنى لهذا القول في هذا الموضع إلَّا أن يُصحَّح بأن يضمَّ إليه زيادة وهو أنَّه كان يجود به وينفقه في وجوه المكرمات، وقيل المعدوم عبارة عن الرَّجل المحتاج المعدم العاجز عن الكسب، وسمَّاه معدومًا لكونه كالمعدوم الميِّت، حيث لم يتصرَّف في المعيشة؛ أي يسعى في طلب عاجز لتُنْعِشَهُ [73] ، و «الكسب» هو الاستفادة، فكما يرغب غيرك أن يستفيد مالًا؛ ترغب أنت أن تستفيد عاجزًا تعاونه.

الخطَّابيُّ «صوابه المُعْدم؛ لأنَّ المعدوم لا يدخل تحت الأفعال؛ تريد إنَّك تعطي العائل الفقير الَّذي لا يجد مالًا» [74] .

التَّيميُّ لم يُصِب الخطَّابيُّ إذ حكم على اللَّفظة الصَّحيحة بالخطأ، فَإِنَّ الصَّوابَ ما اشتُهِر بين أصحاب الحديث ورواه الرُّواة) [75] .

ج 1 ص 17

قوله (نَوَائِبَ الحَقِّ) إنَّما قال (الحق) لأنَّ النَّوائب تكون في الحقِّ والباطل، قال لَبيد

~نوائب من خير وشرٍّ كلاهما فلا الخير ممدود ولا الشَّرُّ لازب [76]

ورأيتُ في كلام ابن كثير قال ويُروى الخير، انتهى.

قوله (فَانْطَلَقَتْ بِهِ) أي انطلقا إلى ورقة، لأنَّ الفعلَ اللَّازم إذا عُدِّيَ بالباء؛ يلزم منه المصاحبة، فتلزم ذهابهما، بخلاف ما عُدِّيَ بالهمزة نحو (أذهبته) فإنَّه لا يُلْزِم ذلك.

قوله (وَرَقَةَ) اعلم أنَّه وقع في «سيرة ابن إسحاق» أنَّ ورقة بن نوفل كان يمرُّ ببلال وهو يُعَذَّب [77] ، وذلك يقتضي أنَّه تأخَّر إلى زمن الدَّعوة، وإلى أن دخل بعض النَّاس في الإسلام، والجمع لو صحَّ هذا، وسيأتي ما فيه أنَّ قوله (وَفَتَرَ الوَحْيُ) الواو ليست للتَّرتيب، وليس المراد بفترة الوحي عدم مجيء جبريل إليه، بل تأخُّر نزول القرآن فقط.

وفي كلام ابن الملقِّن (فَتَرَ معناه احتبس بعد متابعته وتواليه في النُّزول) [78] ، انتهى.

والحكمة في الفترة؛ للتَّشوُّق إلى عود الملك.

ورأيتُ في «تاريخ ابن كثير» بعد أن أورد كلام ابن إسحاق، قال (وقد استشكل بعضهم هذا مِن جهة أنَّ ورقة تُوفِّي بعد البعثة في الفترة، وإسلام مَن أسلم إنَّما كان بعد نزول {يَا أَيُّهَا المُدَّثِّرُ} [المدَّثِّر1] ) [79] .

وفي «البخاريِّ» (وَفَتَرَ الْوَحْيُ حَتَّى حَزِنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا بَلَغَنَا حُزْنًا غَدَا مِنْهُ مِرَارًا كَيْ يَتَرَدَّى مِنْ رُؤوسِ شَوَاهِقِ الْجِبَالِ فَكُلَّمَا أَوْفَى بِذِرْوَةِ جَبَلٍ لِكَيْ يُلْقِيَ مِنْهُ نَفْسَهُ؛ تَبَدَّى لَهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ؛ إِنَّكَ رَسُولُ اللهِ حَقًّا) [خ¦6982] .

وفي كلام ابن الملقِّن بعد أن ذكر ما في السِّيرة (وهذا مخالف لقولها «فلم ينشب» فتأمَّله) [80] انتهى.

قال الكرمانيُّ (إن قلت ما قولك في ورقة؛ أتحكم بإيمانه؟ قلتُ لا شكَّ أنَّه كان مؤمنًا بعيسى، وأمَّا الإيمان به عليه السَّلام؛ فلم يَعْلم أنَّ دين عيسى عليه السَّلام قد نُسِخَ عند وفاته أم لا، ولَئِن ثبت أنَّه كان منسوخًا في ذلك الوقت؛ فالأصحُّ أنَّ الإيمان التَّصديق، وهو قد صدَّقه مِن غير أن يذكر ما يُنافيه، والله تعالى أعلم) [81] .

قوله (ابن عمِّ خديجة) قال النَّوويُّ (بنصب «ابن» ويُكتَب بالألف؛ لأنَّه بدل مِن ورقة، ولا يجوز جرُّ «ابن عم» ولا كتابته بغير ألف؛ لأنَّه يصير صفة لعبد العزَّى، فيكون عَبْد العزَّى ابن عمِّ خديجة، وهو باطل) [82] .

أقول كتابة الألف وعدمها لا تتعلَّق بكونه متعلِّقًا بورقة أو بعبد العزَّى، بَلْ علة إثبات الألف عدم وقوعه بين علمين؛ لأنَّ (العمَّ) ليس علمًا، ثمَّ الحكم بكونه بدلًا غير لازم لجواز أن يكون صفةً أو بيانًا له [83] ، انتهى، ويجوز رفعه وفي رواية وهو ابن عمِّ خديجة، وإنَّما لم تقل مِن (أخيك) أو (ابنك) لأنَّه لو قال (ابن أخيك) لانتصب للمساواة، أو (ابنك) لاقتضى علم ورقة؛ فلهذا تجرَّدت في كلامها بينَهما، وأعطت كلَّ واحد منهمَا مرتبته.

وقال الكرمانيُّ( «يا ابن عمِّ» وفي رواية «يا عمِّ» [84] وكلاهما صحيح، أمَّا الأوَّل؛ فلأنَّه ابن عمِّها حقيقة، وأمَّا الثَّاني؛ فسمَّته عمًّا مجازًا؛ للاحترام، وهذه عادة العرب يخاطب الصَّغير الكبير بـ «يا عمِّ» احترامًا له ورفعًا لمرتبته.

قوله «مِنَ ابْنِ أَخِيْكَ» إنَّما أطلقت الأخوَّة؛ لأنَّ الأب الثَّالث لورقة هو الأب الرَّابع للنَّبيِّ عليه السَّلام، كأنَّها قالت ابن أخي جدِّك، على سبيل الإضمار، وفي ذكر لفظ «الأخ» استعطافًا، أو جعلته عمًّا لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أيضًا احترامًا له على سبيل التَّجوُّز) [85] .

قوله (بِالعِبْرَانِيَّةِ) صوابه (بالعربية) ، الكرمانيُّ(كذا وقع هنا العبرانيُّ وبالعبرانيَّة، ووقع في كتاب «التَّعبير» العربيِّ وبالعربيَّة بدل من ذينك اللَّفظين.

النَّوويُّ «حاصله على رواية العبرانيِّ والعربيِّ أنَّه تمكَّن مِن معرفة دين النَّصارى وكتابهم، بحيث صار يتصرَّف في الإنجيل، فيكتب إن شاء بالعبرانيَّة وإن شاء بالعربيَّة» [86] .

وأقول يُفهَم منه أنَّ الإنجيل ليس عبرانيًّا، وهو المشهور.

التَّيميُّ الكلام العبرانيُّ هو الَّذي أُنزِل به جميع الكتب السَّابقة كالتَّوراة والإنجيل.

وأقول فُهِمَ منه أنَّ الإنجيل عبرانيٌّ.

«الصِّحاح» «العبريُّ بالكسر العبرانيُّ، وهو لغة اليهود» [87] ) [88] .

قوله (عَلَى مُوسَى) إنَّما ذكر موسى ولم يذكر عيسى صلَّى الله عليهما وسلَّم تحقيقًا للرِّسالة؛ لأنَّ نزوله على موسى مُتَّفَقٌ عليه بين اليهود والنَّصارى، بخلاف عيسى، فإنَّ بعضَ اليهود ينكرون نبوَّته، أو لأنَّ النَّصارى يتَّبعون أحكام التَّوراة ويرجعون إليها، مع أنَّه رُوِيَ في غير «الصَّحيح» [89] بدل موسى عيسى، وكلاهما صحيح [90] انتهى.

أمَّا رواية عيسى؛ فيحتمل أيضًا أنَّه ذكره لقرب زمنه، وأمَّا موسى فيُحتمَل أيضًا مع ما ذكره الكرمانيُّ؛ وهو أنَّ ورقة قد تنصَّر، والنَّصارى لا يقولون في عيسى أنَّه نبيٌّ يأتيه جبريل، وإنَّما يقولون إنَّ أُقنُومًا حلَّ بناسوت المسيح على الاختلاف بينهم في ذلك الحلول.

ج 1 ص 18

فلمَّا كان هذا مذهب النَّصارى؛ عدل عن ذكر عيسى إلى موسى؛ لعلمه واعتقاده أنَّ جبريل كان ينزل على موسى، لكنَّ ورقة ثبت إيمانه بالنَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم [91] .

وقال شيخنا (ما تمحَّل له السُّهيليُّ من أنَّ ورقة كان على اعتقاد النَّصارى في عدم نبوَّة عيسى ودعواهم أنَّه أحد الأقانيم؛ فمحال لا يُعرَّج عليه في حقِّ ورقة وأشباهه مِمَّن لم يدخل في التَّبديل له، وأخذ عمَّن لم يُبدِّلْ، على أنَّه ورد عند الزُّبير من طريق عبد الله بن معاذ عن الزُّهريِّ في هذه القصَّة أنَّ ورقة قال «ناموس عيسى» والأصحُّ ما تقدَّم، وعبد الله ضعيفٌ، نعم في «دلائل النُّبوَّة» لأبي نعيمٍ بإسنادٍ حسنٍ إلى هشام بن عروة عن أبيه في هذِه القصة أنَّ خديجة أولًا أتت ابن عمها ورقة فأخبرته الخبر، فقال لئن كنت صدقتني إنَّه ليأتيه ناموس عيسى الذي لا يعلمه بنو إسرائيل أبناءهم، فعلى هذا فكان ورقة يقول تارةً ناموس موسى، وتارة ناموس عيسى، فعند إخباره خديجة له بالقصَّة قال لها ناموس عيسى، بحسب ما هو فيه مِنَ النصرانيَّة، وعند إخباره عليه السلام قال له ناموس موسى؛ للمناسبة التي قدَّمناها، وكلٌّ صحيح) [92] انتهى. خطر لي أنه لما تكلَّم مع خديجة إنما كان على الحنفيَّة لا على النصرانيَّة.

%وقال ابن كثير إنَّما ذكر موسى ولم يذكر عيسى؛ لأنَّ شريعة عيسى كانت متمِّمة مكمِّلة لشريعة موسى، ونسخت بعضها على الصَّحيح مِن قولي العلماء؛ كما قال تعالى {وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِيْ حُرِّمَ عَلَيْكُمْ} [آل عمران50] ، وقول ورقة مثل قول الحقِّ {إنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوْسَى} [الأحقاف30] .%

وقد أطلتُ التَّفسير على هذا في «تعليقي الكبير» ، وأجاب بعضهم أنَّ كتاب سيِّدنا مُوْسى مُشْتمل عَلى أكثر الأحكام بخلاف سيِّدنا عيسى، وكذلك النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم، أو أنَّ سيِّدنا موسى بعثه الله على فرعون ومَن مَعَه بخلاف سيِّدنا عيسى، وكذلك وقعت النِّقمة على يده عليه السَّلام بفرعون هذه الأمَّة أبو جهل ومَن معه [93] .

قوله (فِيْهَا) الضَّمير راجع إلى أيَّام النُّبوَّة أو الدَّولة أو الدَّعوة.

قوله (جَذْعًا) بالذَّال المعجمة والنَّصب؛ أي شابًّا قويًّا حتَّى أبالغ في نصرتك، والجذع في الأصل للدَّوابِّ، فاسُتعير للإنسان، أو ليتني أدركها في عصر الشَّبيبة حين كنت على الإسلام لا على النَّصرانيَّة.

ولابن مَاهَان والأصيليِّ «جذع» خبر «ليت» ، والنَّصب على الحال، والخبر مضمرٌ؛ أي فأنصره وأعينه [94] .

أو منصوبٌ على أنَّه خبر كان المقدَّرة، تقديره يا ليتني أكون جذعًا، أو منصوبٌ على الحال، والخبر «فيهَا» ، والتَّقدير ليتني كائن فيها، وصحَّحه النَّوويُّ [95] ، أو تكون «ليت» عملت عمل «تمنَّيت» فنصبت الاسمين كما قال الكوفيُّون [مِنَ الرجز]

~يا ليت أيَّام الصِّبا رواجعًا [96]

قوله (لَيْتَنِي أَكُوْنُ حَيًّا) قال ابن مالك(ظنَّ أكثر النَّاس أنَّ «يا» الَّتي تليها ليت حرف نداء، والمنادى محذوفٌ، فتقديره يا محمَّد ليتني كنتُ حيًّا؛ نحو {يَا لَيْتَنِيْ كُنْتُ مَعْهُمْ} [النِّساء73] ؛ أي يا قوم ليتني، وهو عندي ضعيفٌ؛ لأنَّ قائل لَيْتني قَدْ يكون وحدَه، فلا يكون مع منادى، كقول مريم {يَا لَيْتَنِيْ مِتُّ قَبْلَ هَذَا} [مريم23] .

ولأنَّ الشيء إنَّما يجوز حذفه إذا كان الموضع الَّذي ادَّعى فيه حذفه مُسْتعملًا فيه ثبوته؛ كحذف المنادى قبل أمر أو دُعَاء، فإنَّه يجوز حذفه لكثرة ثبوته، فمِن ثبوته قبل الأمر {يَا يَحْيَى خُذِ الكِتَابَ} [مريم12] ، وقبل الدُّعاء {يَا مُوْسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ} [الأعراف134] .

ومِن حذفه قبل الأمر {أَلَا يَا اسْجُدُوْا} [97] في قراءة الكسائيِّ، أي يا هؤلاء اسجدوا، ومثل الدُّعاء

~ألا يا اسلمي يا دار ميَّ على البلا [98]

أي ألا يا دار اسلمي.

فحسَّن حذف المنادى قبلهما اعتياد ثبوته بخلاف «ليت» ، فإنَّ المنادى لم تستعمله العرب قبلها ثابتًا، فادِّعاء حذْفه باطلٌ، فتعيَّن كون «يا» هذه لمجرَّد التَّنْبيه، مثل «ألا» في نحو

~ألا ليت شعري هَلْ أبيتنَّ ليلةً [99] ) [100]

قوله (إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ) استعمل (إذ) موافقة لـ (إذا) في إفادة الاستقبال، وَهُوَ استعمال صحيح غفل عن التَّنْبيه عليه أكثر النُّحاة، ومنه قوله تعالى {وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ} [مريم39] ، وكما استُعملت (إذ) بمعنى (إذا) استعملت (إذا) بمعنى (إذ) ؛ كقوله تعالى {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا} [الجمعة11] ؛ لأنَّ الانفضاض واقع فيمَا مضى.

وأقول ليس التَّنبيه عليه مِن وظيفة النُّحاة، بَلْ هُوَ وظيفة أهل المعاني، وذلك إمَّا وضعًا للآتي موضع الماضي قطعًا بوقوعه؛ كإخبار الله تعالى عنِ المستقبل أو استحضارًا للصُّورة الآتية في مشاهدة السَّامع تعجُّبًا، ولذلك قال (أَوَ مخرجيَّ؟) استبعادًا للإخراج وتعجُّبًا منه [101] .

قوله (أَوَ مُخْرِجِيَّ هُمْ) تكلَّمتُ على هذه في الإعراب [102] ، وهنا أذكر كلام السُّهيليِّ، قال(لا بدَّ مِن تشديد الياء في «مخرجيَّ» لأنَّه جمعٌ، والأصل «مخرجوني» فأُدغِمَت الواو في الياء، وهو خبر ابتداء مقدَّم، ولو كان المبتدأ اسمًا ظاهرًا؛ لجاز تخفيف الياء، ويكون الاسم الظَّاهر

ج 1 ص 19

فاعلًا لا مبتدأ، كما تقول أضاربيَّ [103] قومك؟ أخارج إخوتك؟ فتُفرِد؛ لأنَّك رفعتَ به فاعلًا، وهو حسنٌ في مذهب سيبويه والأخفش، ولولا الاستفهام ما جاز الإفراد إلَّا على مذهب الأخفش، فإنَّه يقول «قائم الزَّيدون» دون استفهامٍ، فإن كان الاسم المبتدأ مِنَ المضمرات نحو «أخارج أنت؟» و «أقائم هو؟» لم يصح فيه إلَّا الابتداء؛ لأنَّ الفاعلَ إذا كان مضمرًا لم يكن منفصلًا، لا تقول «قام أنا» ولا «ذهبَ أنتَ» وكذلك لا تقول «أذاهب أنت؟» على حدِّ الفاعل لكن على حدِّ المبتدأ، فلا بدَّ من جمع الخبر، فعلى هذا تقول «أمخرجيَّ هم؟» تريد أمخرجون؟ ثمَّ أُضيفَ إلى الياء وحُذِفَتِ النُّون وأدغمت الواو كما يقتضي القياس) [104] انتهى.

قوله (وَإِنْ يُدْرِكْنِي) مجزومٌ بـ (إن) .

و (يَوْمُكَ) يوم إخراجك؛ أي وقت انتشار قومك.

و (مُؤَزَّرًا) الهمزة بالتَّسهيل؛ أي بالغًا قومًا.

و (يَنْشَبْ) يلبث، و (أَنْ تُوُفِّيَ) بدل اشتمالٍ مِن (ورقة) ؛ أي لم تلبث وفاته.

و (فَتَرَ الوَحْيُ) احتبس، وذِكرُ مقدار الفترة في «مبهماتي» [105] .

وقال ورقة فيه

~فإن يَكُ حقًّا يا خديجة فاعلمي حديثَك إيَّانا فأحمد مرسل

~وجبريل يأتيه وميكال معهما من الله وحي يشرح الصَّدر منزل [106]

إشارة (أَنْصُرْكَ) مجزوم؛ لأنَّه إذا كان الشَّرط مضارعًا والجواب مضارع؛ وجب الجزم.

ورفع الجزم ضعيفٌ؛ كقوله [من الرَّجز]

~يا أقرع بن حابس يا أقرع

~إنك إن يصرع أخوك تُصرع [107]

إشارة وقوله (أَوَ مُخْرِجِيَّ) فإنَّ الفعل فيه دليلٌ على حبِّ الوطن، قال الشَّيخ (وأحسن مِن حبِ الوطن أن يُقال تحرَّكت نفسُه لِمَا في الإخراج مِن فوات ما نُدِبَ إليه مِن إيمانهم وهدايتهم، فإنَّ ذلك مع التَّكذيب والإيذاء مترقَّبٌ، ومع الإخراج منقطعٌ، وذلك هو الَّذي لا شيء عند الأنبياء أعظم منه؛ لأنَّه امتثال أمر الله، وأمَّا مفارقة الوطن؛ فهو أمرٌ جِبِلِّيٌّ، والنَّبيُّ عليه السَّلام أجلُّ وأعلى مقامًا مِنَ الوقوف في هذا الموطن العظيم) [108] .

-قوله (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) هو بالسَّند المتقدِّم، وَسَيأتي كلام الكَرْمانيِّ وما قال فيه في (باب هل يدخل الجنب) الترجمة.

قوله (أَخْبَرَنِي) إنَّما جاء بحرفِ العَطْف؛ ليعلم أنَّه مَعْطوفٌ على أمر آخر ومسبوق بغير ذلك، كأنَّه قال (أخبرني عروة على ما تقدَّم) و (أخبرني أبو سلمة بكذا) أو بأمثاله.

قوله (وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الوَحْيِ) جملة حاليَّة؛ أي قال في حالة التَّحديث عن احتباس الوحي، قيل النُّزول، أو قال جابر في حالة التَّحديث أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال «بينا أنا أمشي إذ سمعتُ»

و (بَيْنَا) أصله (بين) فأُشبِعَتِ الفتحة فصار ألفًا، وَهُوَ من الظُّروف الزَّمانيَّة اللَّازمة للإضافة إلى الجملة الإسميَّة، والعامل فيه الجواب إذا كان مجرَّدًا عن كلمة المفاجأة وإلَّا بمعنى المفاجأة المتضمِّنة هي إيَّاها، ويحتاج إلى جواب تمَّ به المعنى.

وقيل اقتضى جوابًا؛ لأنَّه ظرف مقتضي لمعنى المجازاة، والأفصح في جوابه أن يكون فيه (إذ) و (إذا) خلافًا للأصمعيِّ، والمعنى أنَّ في أثناء أوقات المشي فاجأني السَّماع؛ قاله الكرمانيُّ.

وقال السخوميُّ (بين) معناه الوسط بالتَّخفيف، ولا يُستَعمل إلَّا مضافًا داخلًا على أكثر من واحد، وإذا كان المضاف إليه للأوقات؛ حذفوها وعوَّضوا عنها الألف أو (ما) ، فيُقال (بينا أو بينما زيد قائم) فيكونان مضافتين إلى الجملة لفظًا وإلى (الأوقات) مَعْنًى.

ومنهم من قال أُشبِعَت فتحة (بين) فتولَّدت منها الألف، فقيل (بينا) .

وقد يُلحَق بها (ما) المزيدة، فيُقال (بينما) وكلاهما مُضَافان إلى الجملة، وهذا العامل أيضًا مقدَّر للأوقات، فلا فرق بحسب العَزيْمة أنَّهما مقتضيان مَعْنى المجازاة، فإن لم تكن الجملة الثَّانية _أي الجواب_ مصدَّرة بـ (إذ) و (إذا) فالعامل فيها هو الجواب، فيكونان منصوبان المحل لقوله (بينا زيد قائم طلع عمرو) ، وإن كانت مصدرًا؛ فأحدها كما إذا قلتَ (بينا زيد قائم إذ طلع عمرو) مثلًا، فمنهم من قال إنَّ (بينا) مرفوع المحل على الابتداء، و (إذ) خبره، وإن كان الأصل فيه النَّصب على الظَّرفيَّة فتقديره زمان قيام زيد زمان طلوع عمرو، أو بالقياس، بأن يكون (إذ) مبتدأ و (بينا) خبره، ويلزم على هذا القول ألَّا يكون إذ للمفاجأة مع أنَّ المعنى على المفاجأة، والأَولى أن يُقال أنَّ (بينا) منصوب المحلِّ، وللعامل فيه معنى المفاجأة، ولا يجوز أن يكون العامل هو الجواب؛ لأنَّه وقع مضافًا إليه، ولكنَّ (بين أوقات جلستنا عند رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم؛ فاجأنا ظهور رجل) بينا فإن حملته على المبتدأ وآخر منصوب زمان أوقات جلستنا عند رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم زمان ظهور رجل، قال ذلك في حديث «إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثِّياب» .

قوله (جَالِسٌ) بالرَّفع على الخبريَّة، ويجوز النَّصب على الحال، والخبر محذوف؛ أي حاضرًا.

قوله (كرْسِيٍّ) الكاف مضمومة ومكسورة [109] ، والضَّمُّ أفصح، وجمعه (كراسيٍّ) بتشديد الياء وتخفيفها، قال ابن السُّكَّيت كلُّ ما كان من هذا النَّحو مفرده مشدَّد؛ كعاريَّة وسُريَّة جاز في جمعه التَّشديد والتَّخفيف.

قوله (فَرَعُبْتُ) بفتح الرَّاء وضمِّ العين، قيَّده الأصيليُّ وغيره بضمِّ الرَّاء وكسر العين على ما لم يُسَمَّ فاعله، وهما صحيحان؛ قاله عياض [110] ، الكرمانيُّ هو بضمِّ الرَّاء وكسر العين المهملة، بمعنى فزعتُ.

قوله (زَمِّلُونِي) في «مسلم» «دثِّروني» [ (257) (161) ] ، قال الزَّركشيُّ وهو أنسب؛ لقوله تعالى {يَا أَيُّهَا المُدَّثِّرُ} [المدَّثِّر1] [111] .

قوله تعالى (المُدَّثِّر) العامَّة على تشديد الدَّال وكسر الثَّاء، وأصله (المندثر) فأُدغِم، وفي حرف أُبيٍّ (المندثر) .

(قُمْ) إمَّا أن يكون من القيام المعهود، وإمَّا من (قام) بمعنى الأخذ في القيام؛ لقوله

~ فقام يزود النَّاس عنها بسيفة

وقول الآخر

~ على ما قام يَسْتهمي لئيم

في أحد القولين والقول الآخر (إن قام) مزيدة، وفي جعلها بمعنى الأخذ في القيام نظر؛ لأنَّه حينئذ يصير من أخوات عسى، فلا بدَّ له من خبر يكون فعلًا مضارعًا مجرَّدًا من إنَّ.

(فَأَنْذِرْ) مفعوله محذوف؛ أي قومك عذاب الله، والأحسن أن لا يقدَّر له مفعول؛ أي أوقع الإنذار.

و (رَبَّكَ) مفعول

ج 1 ص 20

قُدِّمَ، وكذا ما بعده؛ إيذانًا بالاختصاص عند من يَرى ذلك، أو للاهتمام به، والفاء في (فَكَبِّرْ) قال الزَّمخشريُّ دخلت بمعنى الشَّرط، كأنَّه قال وما كان فلا تدع تكبيره، وقال أبو حيَّان وهو قريب ممَّا قدَّره النُّحاة في قولك (زيدًا فاضرب) قالوا تقديره (تنبَّه فاضرب زيدًا) ، والفاء هي جواب الأمر، وهذا ا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت