732 -إن قلتَ مَا وجهُ دلالة الحديث على إيجاب التَّكبير؛ قلتُ هو دليل على الجزء الثَّاني من التَّرجمةِ؛ لأنَّ لفظ (إِذَا صَلَّى قَائِمًا) مُتناول لكون الافتتاح أيضًا في حال القيام، فكأنَّه قال إذا افتتح الإمامُ الصَّلاة قائمًا، فافتتحوا أنتم أيضًا قائمين، إلَّا أن يقال الواو بمعنى (مع) ، والغرض والمعنى(باب بيان إيجاب التَّكبير عند
ج 1 ص 350
افتتاح الصَّلاةِ)، يعني لا يقوم مقامَه التَّسبيح والتَّهليل، فحينئذ دلالته على التَّرجمة مشكل.
وقد يقال عادة البخاريِّ أنَّه إذا كان في الباب حديث دالٌّ على التَّرجمةِ؛ يذكره، وَيُتْبعه بذكر أيضًا ما يناسِبُ، وإن لم يتعلَّق بالتَّرجمةِ.
وقد اعترض الإسماعيليُّ فقال ليس في الطَّريق الأوَّل ذكر التَّكبير، ولا ذكر الافتتاح، ومع هذا فالثَّاني والثَّالث ليس فيه إيجاب التَّكبير، وإنَّما فيه إيجاب [1] الَّذين يُكبِّرون ممَّا يَسْبقون إمامَهم بها، ولو كان ذلك إيجابًا للتَّكبير؛ لكان قوله (وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ؛ فَقُولُوا رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ) إيجابًا له على المأموم، وفيما ذكره نظر.
وأمَّا قول البخاريِّ (وافتتاح الصَّلاة) فلعلَّ مراده افتتاح الصَّلاة به، فإنَّه لم يذكره في الباب ما يدلُّ للافتتاح، أو أنَّه لمَّا ذكر التَّكبير الَّذي هُوَ افتتاح الصَّلاةِ؛ أحاله على ما يأتي بعدُ من الأبواب الَّتي فيهَا الرَّفع وشبهه.
فائدة قدَّم البخاريُّ الحديث الأوَّل لتصريح سماع الزُّهْريِّ من أنس، فأمن التَّدليس.
خاتمةٌ
(سَمِعَ) قيل أجاب بدليل استعماله باللَّام، والمفعول محذوف؛ أي أجاب الله دعاء الحامدين، أو (إِنَّمَا جُعِلَ) شكٌّ من الرَّاوي في زيادةِ لفظِ (جُعِلَ) و (فَكَبِّرُوا) هو موضع دلالته على التَّرجمة؛ لأنَّ ظاهر الأمر الوجوب.
إن قلتَ فيجب أيضًا قوله (ربَّنا لك الحمد) ؛ لأنَّه مأمور به؛ قلتُ لولا الدَّليل الخارجيُّ وهو الإجماع على عدم وجوبه؛ لكان هو أيضًا واجبًا بمقتضى ظاهر الأمر، انتهى كلام الكرمانيِّ.
وقد قال بوجوبه الحميديُّ وغيره، ولم يطَّلع عليه الكرمانيُّ.
(لَكَ الحَمْدُ) وتقدَّم لك الحمد، والأمران جائزان.
النَّوويُّ (سمع) أجاب؛ أي من حمد الله متعرِّضًا لثوابه؛ استجاب الله له وأعطاه مَا تعرَّض له، فقولوا ربَّنا لك الحمد؛ ليحصلَ ذلك.
وقال لفظ (رَبَّنَا) على تقديرِ إثباتِ الواو متعلِّق بما قبله، تقديره سَمِعَ اللهُ لمن حمده يا ربَّنا فاستجب جهرنا ودعاءنا، ولك الحمد على هدايتنا.
أقول يحتمل أن يكونَ السَّماعُ بمعناه المشهور.
إن قلتَ فلا بدَّ أن يُستعمَل بـ (من) لا باللَّام؛ قلتُ معناه سمع الحمد لأجل الحامد منه، ثمَّ لفظ ربَّنا لا يمكن أن يتعلَّق بما قبله؛ لأنَّه كلام المأموم وَمَا قبله كلام الإمام، بدليل (قولوا) ، بَلْ هُوَ ابتداء كلام ولك الحمد حال منه؛ أي أدعوك، والحال أنَّ الحمد لك لا لغيرك.
إن قلتَ هل يكون عطفًا على جملة أدعوك؛ قلتُ لا؛ لأنَّها إنشائيَّة، وهذه خبريَّة، قال في «شرح السُّنَّة» قبل الواو في قوله (ذلك) واو العطف على مُضْمر متقدِّم، وفي النُّسخة المَنْسوبة إلى الفربريِّ قال أبو عبد الله قال قتيبة قال لي أبو سَعيد الحدَّاد ما قوله سمع الله لمن حمده؟ قلتُ ما هو؟ قال أجاب الله لمن دعاه.
الخطابيُّ معناه الدعاء بالاستجابة لمن دعا وحمده وأثنى عليه؛ إن قلت هو دليل لمن قال لا يزيد المأموم على ربَّنا لك الحمد، ولا يقول سَمع الله لمن حَمده؛ فما قول الشَّافعيَّة فيما قالوا أنَّه يجمع بينهما الإمام والمأموم والمنفرد؛ قلتُ لا نسلِّم أنَّه دليل له، إذ ليس فيه نفي الزِّيادة، ولئن سلَّمنا؛ فهو معارض بما ثَبَت أنَّه عليه السَّلام جمع بينهمَا، وثبت أنَّه قال «صلُّوا كما رأيتموني أصلِّي» .
وأمَّا وجهُ الجَمْع؛ فهو أن نقول حال الارتفاع سمع الله، وحال الانتصاب ربَّنا ولك الحمد، وفي الكلام التَّفاوت.
وفيه دلالة على أنَّه يُستحَبُّ للإمامِ الجَهْر بقولِ سمع الله لمن حمده، وفيه وجوب متابعة الإمام، فيكبِّر للإحرام بعد فراغ الإمام منه، فإن شَرَعَ فيه قبل فراغه؛ لم ينعقد، ويركع بعد شروع الإمام في الرُّكوع، فإن قارنه أو سبقه؛ فقد
ج 1 ص 351
أساء، ولكن لا تبطل صلاته، وكذا السُّجود، ويسلِّم بعدَ سلام الإمام، فإن سلَّم قبله؛ بطلت صلاته، إلَّا أن ينوي المفارقة، وإن سلَّم معه؛ لا تبطل.
إن قلتَ مَا وجه الفرق بين التَّكبير والرُّكوع ونحوه، والسَّلام حيث لا يجوز في التَّكبير السَّبق ولا المقارنة، وجاز في الرُّكوع ونحوه وفي السَّلام التَّفصيل؛ قلتُ التَّكبير به تنعقد الصَّلاة، فلو قارنه أو سبقه؛ كان مقتديًا بمن ليس إمامًا بعد، بل سيصير إمامًا، فلا مَعْنى للاقتداء بخلاف الرُّكوع ونحوه، فإنَّ الاقتداء ثابت فيما لم يعرض بما يُبطِل الاقتداء عُرْفًا كالتَّقدُّم بركنين فعليَّين يحكم ببقائه استصحابًا.
وأمَّا التَّسليم؛ فهو تحليل للصَّلاةِ، ولا حاجةَ في التَّحليلِ إلى المتابعة، فجاز المقارنة بخلاف السَّبْق فيه، فإنَّه مناف للاقتداء عرفًا.
[حديث «وإذا قال سمع الله لمن حمده؛ فقولوا ربَّنا لك الحمد» فيه أنَّ التَّسْميع مختصٌّ بالإمام، وأنَّ (ربَّنا ولك الحمد) مختصٌّ بالمأموم، هكذا استدلَّ به أحمد، وهو اختيار مالك وأبي حنيفة وابن المنذر، ومَذْهب الشَّافعيِّ وأنَّ الإمام والمأموم والمُنْفرد يجمعون بين التَّسميع والتَّحميد في الرُّكوع والاستواء منه، فالتَّسميع ذكر بحالة الرَّفع منه، والتَّحميد ذكر لحالة الاستواء من الرَّفع، وقاله من المالكيَّة عيسى بن دينار ونافع وإن كان عياض خطَّأ من تأوَّل عليهما ذلك.
وقال مالك للمأموم أن يجمع بينهما، وادَّعى الطَّحاويُّ أنَّ الشَّافعيَّ خالف الإجماع، وليس كما ذكر.
والجواب عن الحديث أنَّه عليه السَّلام علَّمهم ما جهلوه من ذكر الاستواء بخلاف ذكر الرَّفع من الرُّكوع، وهو التَّسْميع، فإنَّهم كانوا يعلمونه ويعملون به ويتابعون، فيه النَّبيَّ عليه السَّلام فلم يحتج إلى البَيِّنة عليه بخلاف قوله ربَّنا لك الحمد، وكذا حديث أبي هريرة «إذا قال سمع الله لمن حمده، فقولوا اللَّهمَّ ربَّنا لك الحمد فإنَّه من وافق قوله قول الملائكة غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه» رواه مالك في «الموطَّأ» ، جوابه ما ذكرناه.
وفي «مسلم» من حديث ابن أبي أوفى قال كان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إذا رفع ظهره من الرُّكوع قال «سَمع الله لمن حَمِدَه ربَّنا لك الحمد ملئ السَّماوات» الحديث.
وفي «البخاريِّ» و «مسلم» من حديث عمر وأبي هريرة الجمع بينهما أيضًا، وقال عليه السَّلام «صلُّوا كما رأيتموني أصلِّي» ] [2]
[1] في هامش الأصل (عبارة غيره وإنما فيه الأمر بتأخير تكبير المأموم عن الإمام) .
[2] ما بين معقوفين منقول من الخاتمة (ص 313/ب-ص 314/أ) .