556 -وجه مطابقة حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما للتَّرجمة يُسْتنبَط من قوله (فَعَمِلْنَا [1] إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ) ، فدلَّ على أنَّ وقت العمل ممتدٌّ إلى غروب الشَّمس، وأنَّه لا يفوت، وأقرب الأعمال المشهورة بهذا الوقت صلاة العَصْر، وهو من قبيل الأخذ من الإشارة لا من صريح العبارة.
وقال المهلَّب وجه المطابقة أنَّه نبَّه على أنَّ إعطاء البعض حكم الكلِّ في الإدراك غير بعيد، كما أُعطيت هذه الأمَّة ببعض العمل في بعض النَّهار حكم جملة النَّهار في جملة النهار، فاستحقَّت جميع الأجر، وفيه بُعْدٌ، فإنَّه لو قال إنَّ هذه الأمَّة أعطيت ثلاثة قراريط؛ لكان أشبه، ولكنَّهَا مَا أُعطيت إلَّا بعضَ أجرهِ جميع النَّهار؛ لأنَّ الأمَّتين قبلَها مَا استوعبتا [2] النَّهار فأخذتا قيراطين، وهذه إنَّما أخذت أيضًا قيراطين.
نعم، عملت هذه الأمَّة قليلًا فأخذت كثيرًا، وهو أيضًا منفكٌّ عن محلِّ الاستدلال؛ لأنَّ عمل هذه الأمَّة آخر النَّهار كان أفضل من عمل المتقدِّمين قبلها، ولا خلاف أنَّ صلاة العصر متقدِّمة أفضل من صلاتها متأخِّرة، ثمَّ هذا من الخصائص المُسْتثناة عن القياس، فيكف يقاس عليه؟
ألا ترى أنَّ صيام آخر النَّهار لا يقوم مقام جُمْلته، وكذلك سائر العبادات، فالأوَّل أولى.
قوله (فِيمَا سَلَفَ) إن قلتَ لا يصحُّ هذا على ظاهره، إذ بقاؤنا ما ليس في الزَّمان السَّالفِ.
قلتُ معناه في جملة ما سلف؛ أي نسبتكم إليهم كنسبةِ وقتِ العصر إلى تمام النَّهار.
إن قلتَ القياس أن يقالَ وغروب الشَّمس بالواو؛ لأنَّ (بين) يقتضي دخوله على متعدِّد.
قلتُ المراد من الصَّلاة وقت الصَّلاة، وله أجزاء، فكأنَّه قال بين أجزاء وقتِ صلاةِ العصر.
ج 1 ص 307
قوله (أَيْ رَبَّنَا) (أي) من حروف النِّداء، ولا تفاوت في إعرابِ المنادى بين حروفه.
قوله (أَكْثَرَ عَمَلًا) إن قلتَ قول اليهود ظاهر؛ لأنَّ الوقت من الصُّبح إلى الظُّهر أكثر من وقت العصر إلى المغرب، لكنَّ قول النَّصارى لا يصحُّ إلَّا على مذهب الحنفيَّة، حيث يقولون العصر هو مصير ظلِّ الشَّيء مثليه، وهذا من جملة أدلَّتهم على مذهبهم، فما جواب الشَّافعيَّة حيث قالوا مصير الظِّلِّ مثله، وحينئذ لا يكون وقت الظُّهر أكثر من وقتِ العصر؛ قلتُ لا نسلِّم أنَّ وقت الظُّهر ليس أكثر منه، وما الدَّليل عليه، ولئن سلَّمنا؛ فليس هو نصًّا في أنَّ كلًّا من الطَّائفتين أكثر عملًا لصدق أنَّ كلَّهم مجتمعين أكثر عملًا من المسلمين، وإن كان بعضهم ليس كذلك، ولاحتمالِ إطلاقِه تَغْليبًا، أو يقال لا يلزم من كونهم أكثر عملًا أكثر زمانًا؛ لاحتمالِ كون العمل أكثر في الزَّمان الأقلِّ، وجاء في آخر «البخاريِّ» قال أهل التَّوْراةِ ذلك.
قال ابن الجَوْزيِّ فإن قيل بين سيِّدنا عيسى وسيِّدنا صلَّى الله عليهما وسلَّم ستُّ مئة سنة، وهذه الأمَّة قد قاربت ستُّ مئة سنة أيضًا، فكيف يكون زمانها أقل؛ فالجواب أنَّ عملها أسهل، وأعمار المكلَّفين أقصر، والسَّاعة إليهم أقرب، فجاز لذلك أن يُقلَّل زمان عملهم؛ تمَّ كلامه، وكلام النَّصارى ليس بحجَّة، لكنَّ تقرير الله سبحانه وتعالى لكلامهم كتصديقه لهم عُرْفًا.
فائدة (ظَلَمْتُكُمْ) أي نقصتكم، إذ الظُّلم قد يكون بزيادة الشَّيء، وقد يكون بنقصانه.
وليس في هذا الحديثِ دلالة للمعتزلة حيث قالوا الثَّواب الَّذي بقدر العمل هو أجرٌ مُسْتحقٌّ عليه تعالى، والزَّائد عليه فضل.
وقال أهل السُّنَّة الكلُّ فضلٌ؛ لأنَّ الضَّمير راجع إلى الَّذي أعطاهم المتناول لما سُمِّيَ أجرًا، وللزَّائد عليه؛ أي كلَّ مَا أعطيته، فهو فضلي، وأطلق عليه لفظ الأجر لمشابهته الأجر؛ لأنَّ كلًّا منهما يترتب على العملِ.
[1] في الأصل (فعملنا) .
[2] في الأصل (استوعبت) .