فهرس الكتاب

الصفحة 808 من 6723

555 -قوله (يَتَعَاقَبُونَ) فيه دليل من قال يجوز إظهار ضمير الجمع في الفعل إذا تقدَّم، وهو لغة بني الحارث، نحو أكلوني البراغيث.

وقال أكثر النُّحاة بضعفه [1] ، وأوَّلو أمثاله بأنَّه ليس فاعلًا، بل بدل أو بيان، كأنَّه قيل من هم، فقيل ملائكة، والفاعل مُضْمر.

وكرَّر (مَلَائِكَةٌ) وجيء بها نكرة؛ دلالة على أنَّ الثَّانية غير الأولى، كقوله تعالى {غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ} [سبأ 12] .

تَنْبيهٌ استدلَّ النُّحاةُ بهذا الحديث على هذه اللُّغة، وفيه نظر من حيث أنَّ في ذكر الملائكة من هذا الصَّحيح الملائكة يتعاقبون.

وروى البزَّار أنَّ لله ملائكة يتعاقبون، قالوا وفيه علامة إضمار، وهذه لغة طيء وأزد شنوءة، وإنَّما نسلوا هذه اللُّغة لقولهم (أكلوني البراغيث) دون غيره من المثل؛ لأنَّ هذا المثال تتحقَّق فيه هذه اللُّغة، إذ لا يصحُّ أن تكون الواو فاعلًا و (البراغيث) بدلًا؛ لأنَّ الواو لا تكون إلَّا ضمير العقلاء الذُّكور، و (البراغيث) ليست كذلك، فتعيَّن أن تكون الواو علامة جمع لا ضمير، بخلاف غيرها من المثل.

فائدة هؤلاء الملائكة هم الحفظة عند الأكثرين.

وحينئذٍ فسؤاله سبحانه وتعالى إنَّما هو سؤالٌ عمَّا أمرهم به من حفظهم لأعمالهم وكَتْبهم إيَّاها عليهم، ويُحتمَل أن يكونوا غيرهم، فسؤالهم لهم إنَّما هو على جهةِ التَّوبيخ لمن قال {أَتَجْعَلُ فِيْهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيْهَا} [البقرة 30] وإظهار ما سبق في علمه إذ قال لهم {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة 30] ، وهذه حكمة اجتماعهم في هاتين الصَّلاتين.

أو يكون سؤاله لهم استدعاء لشهادتهم لهم، ولذلك قال أتيناهم وهم يُصَلُّون، وهذا من جملة لُطْفه، إذ لم يطلعهم إلَّا على حال عبادتهم، ولم يطلعهم على حال شهواتهم ولا خلواتهم ولذَّاتهم وانهماكهم في مَعَاصيهم، فسبحانه من كريم إذ ستر القبيح وأظهر الجميل سبحانه وتعالى؛ قاله شيخ والدي، وسيأتي كلام الكرمانيِّ.

قوله (كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي) سألهم تعالى عن كيفيَّة التَّرك، فما الفائدة في ذكر الجزء الثَّاني من الجواب وهو (وأتيناهم) ؟

الفائدة زادوا على الجواب إظهارًا لشأنِ فضيلتهم وحرْصًا على ذكرِ مَا يوجب مغفرتهم كما هو وظيفتهم فيما أخبر الله سبحانه عنه بقوله {وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِيْنَ آمَنُوا} [غافر 7] .

وأمَّا تعاقبهم في هذين الوقتين؛ فإنَّهما وقتا الفراغ من وظيفتي اللَّيل والنَّهار، ووقت رفع أعمال العباد إليه سبحانه.

وأمَّا اجتماعهم فيها؛ فهو تمام لطف الله بالمؤمنين؛ لتكون شهادة لهم بما شهدوه من الخير.

وأمَّا سؤاله منهم؛ فيحتمل أن يكون لطلب اعتراف الملائكة بذلك ردًّا عليهم فيما قالوا {أَتَجْعَلُ فِيْهَا [2] مَنْ يُفْسِدُ فِيْهَا} [البقرة 30] .

ويقال هذا السُّؤال على ظاهره، وهو تعبُّدٌ منه لملائكته، كما أمرهم بكَتْب الأعمال، وهو سبحانه أعلم بالجميع.

خاتمة

قوله (أن لا تُغْلَبُوا) بلفظ المجهول، وفيه زيادة شرف الصَّلاتين، وذلك

ج 1 ص 306

لتعاقب الملائكة في وقتيهما، ولأنَّ وقتَ صلاةِ الصُّبْح وقت لذيذ النَّوم كما قيل

~والكرى عند الصَّباح يَطيبُ

والقيام فيه أشقُّ على النفس من القيام في غيره، وصلاة العَصْر وقت الفراغ عن الصِّناعات وإتمام الوظائف.

والمسلم إذا حافظ عليهمَا مع مَا فيه من التَّثاقل والتَّشاغل؛ فلأن يحافظ على غيرهما بالطَّريق الأولى.

وفيه إيذان بأنَّ ملائكة اللَّيل لا يزالون حافظين العبادَ إلى الصُّبح.

إن قلتَ مَا وجه التَّخصيص بالَّذين باتوا وترك ذكر الَّذين ظلُّوا.

قلتُ إمَّا للاكتفاء بذكر أحدهما عن الآخر، كقوله تعالى {سَرَابِيْلَ تَقِيْكُمُ الحَرَّ} [النَّحل 81] .

وإمَّا لأنَّ اللَّيل مظنَّة المَعْصية ومظنَّة الاستراحة، فلمَّا لم يعصوا واشتغلوا بالطَّاعة؛ فالنَّهار أولى بذلك، وإمَّا لأنَّ حكم طرفي النَّهار يُعْلَم من حكم طرفي اللَّيل، فذكره يكون تكرارًا.

إن قلتَ العَصْر لها أوقات خمس، فالفضيلة الواردة في حقِّ صلاة العَصْر هل هي مختصَّة بمن صلَّاهَا أوَّل الوقت، أو عامَّة لجميع أحوالها؟

قلتُ لمَّا كانت هي أداء إلى المغرب صادقًا عليها صلاة العَصْر في جميع أحوالها كانت عامَّة، انتهى كلام الكرمانيِّ.

وَظَهر لي أنَّه إنَّما ذكر بعدَ هذا (باب من أدرك ركعة من العصر) لينبِّه على أنَّها عامَّة.

تَنْبيه ذكر الكرمانيُّ للعصر خمسة أوقات وقت الفضيلة أوَّل الوقت، وقت الاختيار إلى مصير الظلِّ مثليه، وقت الجواز بلا كراهة قبل الاصفرار، وقت الجواز مع الكراهة زمان الاصفرار إلى الغروب، وقت العذر، وهو وقت الظُّهر عند الجمع بينهما بالتَّقديم، وبقي عليه وقت سادس؛ وهو وقت تحريم، وهو أن يؤخِّرها إلى ما لا يسعها، فإنَّ الصَّحيح تحريمه، انتهى.

[1] في هامش الأصل من نسخة (بامتناعه) .

[2] في الأصل (فيهم) ، والمثبت موافق للتلاوة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت