320 -تنبيه (عبد الله بن محمَّد) هو المسنديُّ؛ قاله سيِّدي والكرمانيُّ، وسيأتي بأطول من هذا.
قوله (وكُنَّ نِسَاءٌ) بالرَّفع، هذا رواه مالك في الموطأ بإسناد صحيح كما قال في شرح المهذَّب وفيه.
إن قلتَ علامة الجمع في الإسناد ضعيف؛ قلتُ (نساء) بدلٌ من الضَّمير، وهو نحو أكلوني البراغيث، وبالنَّصبِ على الاختصاص؛ أي أخص [1] نساء، و (يَبْعَثْنَ) خبَرَه.
إن قلتَ فيه إضمارٌ قبل الذِّكر وذلك مُمْتنعٌ؛ قلتُ مثَلُه يُسَمَّى بالضَّمير المبهم، وجوَّزوا فيه، لكن بشرط أن يكون مفسِّرًا بما بعده.
إن قلتَ ما الفائدة في ذكره، وقد عُلِمَ كونهنَّ نساء من لفظ (كنَّ) ؛ قلتُ لم يُعلَم إلَّا من المفسِّر، ثمَّ الفائدة التَّنْويع، والتَّنْوين يدلُّ عليه إن كان ذلك من بَعْضهنَّ.
إن قلتَ أليس من حقِّ المنتصبِ عَلى الاختصاص أن يكون مَعْرفةً؛ قلتُ جاء نكرةً كما جاء مَعْرفة.
قال الهذليُّ
~ويأوي إلى نسوةٍ عطَّلٍ وشعثًا مراضيع مثل السَّعالِي
قوله (بالدِّرَجَةِ) بكسر الدَّال المهملة وفتح الرَّاء، وبالجيم جمع درجة كالسفط الصَّغير تضع فيه المرأة طيبهَا، ورواه أبو عمر بضمِّ الدَّال وسكون الرَّاء.
قال وَهُوَ تأنيث درج الخرقة الَّتي تُلفُّ وتدخل في حياء النَّاقة إذا عطفت على ولد ناقةٍ أخرى، وإذا كان هذا مع هذه الرِّواية؛ فهي أشبه كما ضبط أبو عمر.
وشبَّهوا الخرق الَّتي تحشي بها المرأة أيَّامَ حيضها محشوةً بالكرسف بتلك الدِّرجة، ورواه الباجي بفتح الدَّال والرَّاء، وهي بعيد من الصَّواب، و (الكُرْسُفُ) القطن بضمِّ الكاف وراء ساكنة وسين مهملتين ثمَّ فاء، و (القَصَّةَ) بفتح القاف، وحكى الكسر وتشديد الصَّاد المهملة كناية عن النُّفساء، و (القَصَّة) الجصُّ، وهي لغةٌ حجازيَّةٌ، وقصص داره؛ أي جصَّصها، ووجه الشَّبه بينهما الصفاء وكراهة الرَّائحة.
قوله (مَا كَانَ النِّسَاءُ) اللَّام للعهد؛ أي نساء الصَّحابة، وإنَّما عابت عليهنَّ وإن كان فعلهنَّ يدلُّ على الحرص على الطَّاعة ودخول وقتها؛ لأنَّ فعلهنَّ يقتضي الحَرج، وهو مَذْمومٌ، وكيف لا وجوف اللَّيل ليس إلَّا وقت الاستراحة.
إن قلتَ قد مرَّ في (باب غسل الدَّم) وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدَّم وصلِّي من غير إيجاب الغسل، وقال عمرو ثمَّ توضَّئي؛ أي لكلِّ صلاة بإيجاب الوضوء، وههنا قال فاغتسلي وصلِّي بإيجاب الغسل.
قلتُ أحوال المستحاضات مختلفة تتوزَّع عليها، أو إيجاب الغسل والتَّوضُّؤ لا ينافي عدم التَّوضُّؤ لهما، وإنَّما ينافي التَّعرض لعدمهما.
إن قلتَ (فاغتسلي وصلِّي) يَقْتضي تَكْرار الاغتسال لكلِّ صلاةٍ، أو يكفي غسل واحد بعد الإدبار؛ قلتُ يكفي غسل واحد.
إن قلتَ سَيأتي في (باب عرق الاستحاضة) أنَّ أمَّ حبيبة كانت تغتسل لكلِّ صلاةٍ؛ قلت لعلَّها من المستحاضات الَّتي يجب عليها لكلِّ صلاةٍ الغسل، وقال الشَّافعيُّ إنَّما أمرها أن تَغْتَسل وتصلِّي، وليس فيه أنَّه أمرها أن تَغْتسلَ لكلِّ صلاةٍ، قال ولا شكَّ إن شاء الله تعالى أنَّ غسلها كان تطوُّعًا غير ما أُمِرَت به، وذلك واسع.
خاتمة
(لَا تَعْجَلْنَ) بالتَّاء والياء جَمْعٌ للمؤنَّث خطابًا وَغَيْبةً، وفي الحديث «الحائض لا تغتسل حتَّى ترى القصَّة
ج 1 ص 222
البيضاء»؛ أي حتَّى تخرج القطنة الَّتي تحتشى بهَا كأنَّها جصَّة لا يخالطها صفرة، يعني أفتت عائشة رضي الله تعالى عنها المُسْتفتيات عن وقتِ الطَّهارة عن الحَيْض بأنَّها ما دامت الصُّفرة باقية ليست طاهرة، بل لا بدَّ من رؤيتهنَّ القُطْنة شبيهةً بالجصَّة نقيَّةً طاهرةً، و (ابْنَةُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ) لم يسمِّها الكرمانيُّ، وانظر «مبهماتي» ، و (الحَيْضَةِ) الظَّاهر فتح الحاء، وقد رُوِيَ بها وبكسرها.
[1] في الأصل فوقها (مني) .