274 -إن قلتَ كيف تُسْتفاد التَّرجمة من الحديث وإنَّما قالت (ثمَّ توضَّأ، ثمَّ أفاض على رأسِه، ثمَّ غَسَلَ جسدَه) فَدَخَلَ في قولها (ثمَّ غسل جسده) الأعضاء الَّتي تقدَّم غسلها؛ لأنَّه من جملة الجسد؛ قلتُ استخراجها منه بعيدٌ لغة، ويُحتمَل عرفًا إذا لم يذكر إعادة غسلها، وذكر الجسد بغيرِ ذكرِ الأعضاءِ المعيَّنة يُفهم عرفًا بقيَّة الجسد لا جُمْلته؛ لأنَّ الأصلَ عَدَم التَّكرار؛ قاله ابن المنيِّر.
قوله (وَضُوءً لِجَنَابَةٍ) إن قلتَ الوضوء بفتح الواو اسمٌ للماء الَّذي يُتوضَّأ به؛ لأنَّ الماء الَّذي يُغْتَسَل به، فكيف قالت وضوءًا لجنابة؛ قلتُ يريد به مطلق الماء الَّذي يُتَطهَّر به، ومثله يُسمَّى بالمجاز الغير
ج 1 ص 198
المقيَّد، كإطلاق (المرسن) على أنف الإنسان، ونحوه ممَّا أطلق المقيَّد وأريد به المطلق، انتهى كلام الكرمانيِّ.
وقال ابن الملقِّن رحمه الله تعالى قال الإسماعيليُّ بيَّن زائدةُ إنَّ قوله (للجنابة) من قول سالم الرَّاوي عن كريبٍ، لا من قول ابن عبَّاس، ولا من قول مَيْمونة، وفي حديث زائدة زيادة ذكر سيرته حتَّى اغتسل رضي الله تعالى عن الصَّحابة أجمعين.
خاتمة
(فَلَمْ يُرِدْهَا) من الإرادة، وعند ابن السَّكن (ولم يردَّها) من الرَّدِّ، قال في «المطالع» وهو وهمٌ، وتقدَّم، وقال ابن بطَّال أجمعوا على أنَّ الوضوء ليس بواجبٍ في غسل الجنابة، لمَّا ناب غسل مواضع الوضوء وهو سنَّة في الجنابة عن غسلها، وهو فريضةٌ صحَّ بذلك ما رُوِيَ عن مالك أنَّ غسل يوم الجمعة يجزئ عن غسل الجنابةِ، وفي الحديثِ حجَّة أيضًا؛ لقول مالك في رجلٍ توضَّأ للظُّهر وصلَّى، ثمَّ جدَّد للعصر للفضل، فلمَّا صلَّى العصر؛ ذكر أنَّ الوضوء الأوَّل قد انتقضى أنَّ صلاته تجزئه؛ لأنَّ الوضوء للسُّنَّة يجزئ به صلاة الفرض.
قال وكان الحديث السَّابق، وهو مَا فيه، ثمَّ غسل سائر جسده أولى بهذه التَّرجمة، وهو مبيِّن لرواية من روى ثمَّ أفاض على جسده أو صبَّ أو أفرغ على جسده أنَّ المراد بذلك ما بقي من الجسد دونَ أعضاء الوضوء.
وأقول ليس في الحديث ما يدلُّ على أنَّ السُّنَّة نابت عن الفريضة، إذ ليس فيه أنَّ غسل الوجه والذِّراعين كان للوضوء أو للسُّنَّة، بل كان لغسل الجنابة، فلا يصحُّ قول مالك في نيابة غسل الجمعة عن غسل الجنابة، ولا يكون له حجَّة في إجزاء الصَّلاة بالوضوء التَّجديديِّ، بل ليس فيه أنَّه لم يعد غسل مواضع الوضوء إذ لفظ جسده في (ثمَّ غسلَ جَسَدَه) شاملٌ لتمام البدن من أعضاء الوضوء وغيرها، وكذا حكم الحديث السَّابق، إذ المراد بسائر جسده؛ أي باقي جسده هو غير الرَّأس لا غير أعضاء الوضوء.
خاتمة
(ذِرَاعَيْهِ) ساعديه إلى المرافق، وذِراع اليد بكسر الذَّال يُذَكَّر ويؤنَّث.